ترامب ميديا تبحث عن مستقبل يتجاوز ترمب.. من منشورات “تروث سوشيال” إلى إمبراطورية إعلامية وتقنية

تسعى مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا إلى إعادة صياغة نموذج أعمالها، مستفيدة من النفوذ السياسي الكبير للرئيس الأمريكي دونالد ترمب على منصة “تروث سوشيال”، وفي الوقت نفسه محاولة بناء أنشطة تجارية يمكنها الاستمرار حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية.
ويقود هذه المرحلة الرئيس التنفيذي المؤقت كيفن ماكغورن، الذي يعمل على تحويل المنصة من مساحة يستخدمها ترمب للتعبير عن مواقفه السياسية إلى جزء من منظومة تجارية أوسع تشمل الإعلام والبث الرقمي والعملات المشفرة والخدمات المالية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تطرح فيه طبيعة الشركة وعلاقتها بالرئيس الأمريكي أسئلة متزايدة حول إمكانية الفصل بين النفوذ السياسي والمصالح التجارية، خصوصا مع إطلاق خدمات تتيح الوصول السريع إلى منشورات ترمب.
رؤية جديدة لمجموعة ترمب
تولى ماكغورن منصبه في أواخر أبريل/نيسان 2026، خلفا للنائب الجمهوري السابق ديفين نونيس، في إطار عملية إعادة هيكلة داخلية لمجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا.
ويمتلك ماكغورن خبرة في قطاعي الإعلام والتكنولوجيا، إذ سبق له العمل في شركات ومشروعات مرتبطة بمجالات الاتصالات والمنصات الرقمية والبث.
ويتمثل أحد أبرز أهدافه في تقليل اعتماد الشركة على النشاط السياسي المباشر لترمب، وبناء مجموعة قادرة على الاستمرار والنمو حتى بعد انتهاء ولايته الحالية عام 2028.
ويقول ماكغورن إن المهمة تتمثل في إنشاء شركة “مستدامة وقابلة للاستمرار”، مشيرا إلى أن هذا التوجه يأتي بناء على طلب ترمب نفسه.
ولا تقتصر الرؤية الجديدة على منصة “تروث سوشيال”، بل تمتد إلى تطوير أنشطة في البث الرقمي والعملات المشفرة والخدمات المالية، إضافة إلى صفقة اندماج تبلغ قيمتها نحو 6 مليارات دولار مع شركة تعمل في مجال الاندماج النووي.
“تروث سوشيال” تتحول إلى مصدر إيرادات
لطالما كانت منشورات ترمب على “تروث سوشيال” وسيلة أساسية لإعلان مواقفه السياسية والتعليق على الأحداث الداخلية والدولية.
لكن الشركة بدأت الآن محاولة تحويل هذه المكانة السياسية إلى مصدر دخل مباشر من خلال خدمة جديدة تسمح للمشتركين بالوصول إلى منشورات ترمب وغيره من الشخصيات المؤثرة قبل بقية المستخدمين.
وتحمل الخدمة اسم “تروث إيه بي آي”، وتعتمد على نقل المنشورات بفارق زمني بالغ الصغر، قد لا يتجاوز أجزاء من الثانية.
ورغم أن هذا الفارق قد يبدو غير مهم بالنسبة للمستخدم العادي، فإنه يمكن أن تكون له قيمة كبيرة بالنسبة لشركات التداول التي تعتمد على سرعة الحصول على المعلومات لاتخاذ قرارات استثمارية في الأسواق المالية.
وبحسب ماكغورن، اشتركت 10 شركات في الخدمة حتى الآن، معظمها تعمل في مجال التداول، مقابل رسوم شهرية تتراوح بين 60 ألف دولار و100 ألف دولار.
أفضلية السرعة تثير الجدل
أثار إطلاق الخدمة انتقادات بسبب طبيعة المعلومات التي يتم التعامل معها، إذ يعد ترمب المستخدم الأكثر تأثيرا على منصة “تروث سوشيال”، كما أنه أكبر مساهم في الشركة المالكة للمنصة.
وتتركز المخاوف حول إمكانية استفادة بعض المتعاملين في الأسواق من منشورات الرئيس الأمريكي قبل وصولها إلى غالبية المستخدمين، خصوصا أن تصريحات ترمب قد يكون لها تأثير مباشر في أسعار الأسهم والعملات والسلع والأسواق المالية.
وتزداد حساسية المسألة عندما تتعلق المنشورات بقرارات سياسية أو اقتصادية كبيرة، مثل الرسوم الجمركية أو العمليات العسكرية أو السياسات الحكومية.
ويرى منتقدون أن منح شركات التداول قدرة على رصد هذه المنشورات قبل الآخرين، حتى ولو بفارق أجزاء من الثانية، قد يمنحها أفضلية على المستثمرين العاديين.
في المقابل، يرفض ماكغورن هذه الانتقادات، ويؤكد أن المعلومات تصبح عامة بمجرد نشرها، وأن الخدمة لا تمنح المشتركين معلومات سرية أو داخلية، وإنما توفر لهم وسيلة تقنية أسرع للحصول على البيانات المنشورة.
ويستند في دفاعه إلى وجود خدمات مشابهة في قطاع التكنولوجيا، حيث يدفع المستخدمون مقابل الحصول على البيانات بسرعة أكبر.
طموح لبناء إمبراطورية إعلامية
لا يريد ماكغورن أن تبقى المجموعة مرتبطة حصرا بمنصة “تروث سوشيال”، بل يسعى إلى توسيع نطاق أعمالها لتصبح مجموعة إعلامية وتقنية متعددة الأنشطة.
وتشمل الرؤية الجديدة تطوير خدمات في البث الرقمي، والاستثمار في العملات المشفرة، والخدمات المالية، إلى جانب استكشاف مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وأسواق التوقعات والمحتوى الرياضي والترفيهي.
كما تنظر المجموعة إلى صفقة الاندماج المرتقبة في قطاع الاندماج النووي باعتبارها خطوة يمكن أن تضعها في مجال مختلف تماما عن نشاطها الإعلامي التقليدي.
ويعكس هذا التوسع محاولة لبناء مصادر متعددة للإيرادات، بدلا من الاعتماد على الإعلانات أو شعبية ترمب وحدها.
أرقام مالية صعبة
لكن الانتقال إلى نموذج أعمال أكثر تنوعا يأتي في ظل وضع مالي صعب.
فقد سجلت المجموعة خسائر صافية بلغت نحو 712.3 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل إيرادات لم تتجاوز 3.7 ملايين دولار.
كما تراجعت أسهم الشركة بنحو 39% خلال العام الماضي، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها في تحويل شعبيتها السياسية إلى نموذج تجاري مستقر.
ويرتبط جزء من الخسائر بتقلبات سوق العملات المشفرة، إذ تمتلك الشركة أصولا استثمارية تقدر بنحو 2.5 مليار دولار، ويرتبط جزء كبير منها بالعملات الرقمية.
ويجعل ذلك الأداء المالي للمجموعة شديد الحساسية لتحركات سوق العملات المشفرة، في وقت تحاول فيه الإدارة بناء مصادر دخل جديدة أكثر استقرارا.
تراجع عدد مستخدمي المنصة
ولا تقتصر التحديات على الوضع المالي، إذ تواجه “تروث سوشيال” أيضا مشكلة في الحفاظ على قاعدة مستخدميها وجذب مستخدمين جدد.
وتشير تقديرات شركة “سيميلار ويب” إلى أن عدد المستخدمين اليوميين لتطبيق المنصة على الهواتف بلغ نحو 261 ألف مستخدم في يوليو/تموز 2026، مقابل أكثر من 436 ألف مستخدم خلال الشهر نفسه من العام السابق.
ويشكل هذا التراجع تحديا أمام الإدارة، خصوصا أن قيمة المنصة التجارية ترتبط بدرجة كبيرة بقدرتها على جذب جمهور واسع والحفاظ على تفاعله.
ولهذا بدأت المجموعة، بحسب ماكغورن، حملة تسويقية أكثر نشاطا بهدف توسيع قاعدة المستخدمين وتعزيز حضور المنصة خارج جمهور ترمب التقليدي.
كيف يستمر المشروع بعد ترمب؟
يبقى السؤال الأكبر أمام المجموعة هو قدرتها على الحفاظ على قيمتها التجارية إذا تراجع حضور ترمب السياسي أو انتهت ولايته الرئاسية.
فجزء كبير من جاذبية “تروث سوشيال” قائم على حقيقة أن الرئيس الأمريكي يستخدمها كمنصة رئيسية لإعلان مواقفه، بل إن العديد من الإعلانات السياسية المهمة تبدأ عبر حسابه قبل انتقالها إلى المؤتمرات الصحفية الرسمية.
ويقر ماكغورن عمليا بهذه العلاقة القوية، لكنه يرى أن مستقبل الشركة يجب ألا يتوقف عند شخصية واحدة.
ولهذا تسعى الإدارة إلى جذب شخصيات جديدة وتطوير محتوى مختلف، إلى جانب الدخول في مجالات تكنولوجية وترفيهية ومالية يمكن أن تمنح المجموعة مصادر جديدة للنمو.
بين النفوذ السياسي والمصالح التجارية
تكشف تجربة “تروث سوشيال” عن إشكالية يصعب فصلها عن طبيعة مجموعة ترمب للإعلام والتكنولوجيا، وهي التداخل بين النفوذ السياسي للرئيس ومصالح الشركة التجارية.
فترمب ليس مجرد شخصية بارزة على المنصة، بل هو أيضا صاحب التأثير الأكبر فيها وأحد كبار المستفيدين من قيمتها، في الوقت الذي يمكن فيه لمنشوراته أن تؤثر في الأسواق.
ومن هنا فإن خدمة الوصول السريع إلى منشوراته تضع الشركة أمام اختبار حساس يتعلق بالشفافية وتكافؤ الفرص في الحصول على المعلومات.
وبينما يرى ماكغورن أن الشركة تبيع السرعة التقنية وليس المعلومات السرية، فإن الجدل سيستمر حول ما إذا كان فارق أجزاء من الثانية يمكن أن يتحول إلى ميزة اقتصادية حقيقية عندما يتعلق الأمر بتصريحات رئيس أمريكي قادرة على تحريك الأسواق.
علامة ترمب بعد البيت الأبيض
يرى ماكغورن أن العلامة التجارية لترمب قادرة على أن تشكل أساسا لشبكة إعلامية دائمة، وليس مجرد مشروع مرتبط بفترة وجوده في البيت الأبيض.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب من المجموعة إثبات قدرتها على بناء أعمال حقيقية ومستدامة، وتحويل الشعبية السياسية إلى إيرادات متكررة، مع تقليل المخاطر المرتبطة بتراجع عدد المستخدمين وتقلبات العملات المشفرة والخسائر المالية.
وبذلك تبدو المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لمشروع ترمب الإعلامي والتكنولوجي: هل ستبقى “تروث سوشيال” منصة سياسية مرتبطة بشخص الرئيس، أم ستنجح الإدارة الجديدة في تحويلها إلى نواة إمبراطورية إعلامية وتقنية تستطيع مواصلة العمل حتى بعد مغادرة ترمب البيت الأبيض؟





