أسلحة مدارية غامضة.. ماذا تخفي واشنطن عن قدراتها العسكرية في الفضاء؟

في 14 سبتمبر/أيلول 2026، وخلال مؤتمر سنوي نظمته رابطة القوات الجوية والفضائية الأمريكية، كشف وزير القوات الجوية تروي مينك عن معلومة نادرة بشأن القدرات العسكرية لبلاده، مؤكدا أن الولايات المتحدة تمتلك أسلحة «مدارية» مخصصة للسيطرة على الفضاء وحماية القوات الأمريكية من أي تهديدات معادية.
لكن الإعلان توقف عند هذا الحد، إذ امتنع مينك عن الكشف عن طبيعة هذه الأسلحة أو عددها أو ما إذا كانت قد خضعت لاختبارات فعلية. وعندما طُلب منه تقديم مزيد من التفاصيل، أوضح أن صياغة تصريحه كانت مقصودة بعناية، وأن وزارة القوات الجوية تمضي وقتا طويلا في تحديد الطريقة التي تتحدث بها عن مثل هذه القدرات الحساسة.
ويحمل مفهوم «السيطرة على الفضاء» معنى عسكريا محددا في العقيدة الأمريكية، إذ يشير إلى مجموعة من الوسائل المدمرة وغير المدمرة التي يمكن استخدامها لتعطيل قدرات الخصوم الفضائية أو إضعافها أو تدميرها، إلى جانب حماية الأنظمة والقوات الأمريكية في الفضاء.
إعلان يكشف وجود السلاح ويخفي تفاصيله
يأتي التصريح الأمريكي في وقت تتزايد فيه أهمية الفضاء باعتباره ساحة محتملة للصراع العسكري بين القوى الكبرى. ومع ذلك، لا تزال المعلومات المتاحة بشأن السلاح الذي تحدث عنه مينك محدودة للغاية، فلا يُعرف موقعه بدقة أو عدده أو طبيعة مهمته أو حتى ما إذا كان قد دخل مرحلة الاختبار.
وقبل هذا التصريح، كانت واشنطن قد أعلنت بصورة أوضح عن امتلاكها وسائل مضادة للأقمار الاصطناعية تعمل من الأرض، من بينها أنظمة تشويش قادرة على تعطيل الاتصالات والإشارات الفضائية دون الحاجة إلى تدمير القمر المستهدف ماديا.
ويأتي الكشف الجديد بالتزامن مع خطط أمريكية لزيادة الإنفاق على القدرات الفضائية. فبحسب الطلب المطروح أمام الكونغرس للسنة المالية التي تبدأ في أكتوبر/تشرين الأول، تسعى الولايات المتحدة إلى رفع موازنة قوة الفضاء إلى نحو 71.2 مليار دولار، مع تخصيص 21.6 مليار دولار لأنظمة السيطرة على الفضاء.
ويطرح ذلك تساؤلات بشأن طبيعة القدرات المدارية التي تتحدث عنها واشنطن، خصوصا في ظل تنامي عدد الأقمار الاصطناعية العسكرية والاستطلاعية الصينية ودورها في مراقبة القوات والتحركات الأمريكية.
بداية الحديث عن قدرات هجومية في المدار
الحديث عن امتلاك قدرات قتالية مدارية ليس جديدا تماما، إذ تعود جذوره إلى عام 2023، عندما تحدث الجنرال تشانس سالتزمان، قائد العمليات الفضائية الأمريكية، أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ عن تطوير «قدرة مدارية كبيرة» تتيح للقوة الفضائية تنفيذ عمليات هجومية ودفاعية في الفضاء بحلول عام 2026.
وأشار سالتزمان آنذاك إلى أن الولايات المتحدة تستهدف الوصول إلى ما وصفه بـ«عمليات كاملة الطيف»، في إشارة إلى امتلاك مجموعة واسعة من القدرات التي يمكن استخدامها في بيئة الفضاء.
وبعد ذلك، حصلت القوة الفضائية على تمويلات إضافية لبرامج سرية، من بينها نحو 327 مليون دولار كانت ضمن قائمة الأولويات غير الممولة، من دون أن تكشف المؤسسة العسكرية عن تفاصيل البرامج التي ستوجه إليها هذه الأموال.
وفي عام 2025، نشرت قوة الفضاء الأمريكية وثيقة بعنوان «الحرب في الفضاء: إطار للمخططين»، تناولت طبيعة الصراع المحتمل في المدار وقسمته إلى ثلاثة مجالات رئيسية هي الحرب المدارية والحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية.
وتضمنت الوثيقة خيارات هجومية من بينها «الضربة المدارية»، التي تعني مهاجمة أهداف موجودة في المدار، إلى جانب وسائل تستهدف الاتصالات بين الأقمار الاصطناعية والمحطات الأرضية.
ست فئات من الأسلحة المضادة للأقمار
وفي سياق حديثه عن القدرات العسكرية الفضائية، صنف سالتزمان الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية في ست فئات رئيسية، تشمل أنظمة التشويش، والأسلحة التدميرية، وأسلحة الطاقة الموجهة، مع وجود نماذج من هذه القدرات يمكن تشغيلها من الأرض وأخرى من الفضاء.
وقال إن الصين تستثمر في مختلف هذه الفئات، في حين لا تعمل الولايات المتحدة على تطوير جميعها بالمستوى نفسه، موضحا أن القوة الفضائية الأمريكية تركز حاليا بصورة أكبر على الأنظمة الأرضية، نظرا إلى أن تطوير القدرات المدارية يتطلب تقنيات أكثر تعقيدا.
كما أشار إلى أولوية الوسائل غير المدمرة، وفي مقدمتها التشويش، معتبرا أن تدمير قمر اصطناعي بصورة مادية يمثل خيارا أخيرا عندما لا تكون هناك بدائل أخرى.
من السرية إلى الإعلان العلني
وتعزز الاهتمام الأمريكي بالقدرات الفضائية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب في ديسمبر/كانون الأول 2025 أمرا تنفيذيا بعنوان «ضمان التفوق الأمريكي في الفضاء».
ووجه الأمر الإدارة الأمريكية إلى تطوير قدرات تسمح برصد التهديدات الفضائية والتعامل معها ضمن نطاق واسع يمتد من المدارات المنخفضة جدا وصولا إلى المناطق المحيطة بالقمر.
وفي أغسطس/آب 2026، قال الجنرال ستيفن وايتنغ، قائد قيادة الفضاء الأمريكية، خلال مؤتمر متخصص في الدفاع الصاروخي، إن الردع في الفضاء يتطلب امتلاك خيارات عسكرية ذات مصداقية، إلى جانب الإعلان عن وجودها.
وتقوم هذه الفكرة على أن القدرة العسكرية التي يجهل الخصم وجودها قد لا تؤدي الغرض الردعي نفسه الذي تحققه قدرة يعرف الخصم أنها موجودة ويمكن استخدامها عند الضرورة.
وبعد أسابيع، جاء تصريح وزير القوات الجوية تروي مينك ليقدم أوضح إشارة علنية حتى الآن إلى امتلاك الولايات المتحدة أسلحة مدارية مخصصة لمواجهة التهديدات الفضائية.
ومع ذلك، تظل طبيعة هذه القدرات محاطة بدرجة كبيرة من السرية، ما يجعل الإعلان الأمريكي أقرب إلى كشف محدود عن وجود برنامج أو منظومة عسكرية، دون تقديم معلومات كافية لتحديد إمكاناتها الفعلية أو مدى جاهزيتها التشغيلية.





