دولية

أوبئة لا تتوقف عن الاجتياح.. السودان ينهار أمام سموم الأسلحة الكيميائية

تتزايد المخاوف في السودان، من كوارث صحية تضرب مناطق عديدة في البلاد، وسط انهيار المنظومة الصحية بسبب الحرب التي اندلعت منتصف إبريل 2023، بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ووفقا لتقديرات نشرتها منظمات حقوقية، تسببت الحرب في مقتل قرابة 200 ألف شخص، بينما تقول الأمم المتحدة، إن 14 مليون سوداني، أجبروا على النزوح نتيجة الصراع الذي تسبب في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
وحذر أطباء وعاملون في القطاع الصحي، الخميس 23 سبتمبر 2026، من مخاطر انتشار حمى الضنك في مخيمات النازحين بمدينة طويلة في ولاية شمال دارفور، بعد تسجيل حالات إصابة بالمرض، بالتزامن مع ارتفاع أعداد المصابين بالملاريا، وفقا لـ”دارفور24″.
وقال مصدر طبي إن المستشفيات في طويلة سجلت عدداً من حالات الإصابة بحمى الضنك، مشيراً إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد المصابين بالملاريا، مرجعا مخاطر انتشار المرض في مخيمات النازحين إلى تردي الإصحاح البيئي والاكتظاظ السكاني، داعياً الجهات الصحية إلى متابعة الحالات التي تظهر، وتوعية النازحين بأعراض المرض ومخاطره وضرورة التوجه إلى المستشفى عند الإصابة بالحمى.
وذكر مصدر آخر لـ«دارفور24» تسجيل حالات إصابة بحمى الضنك داخل مخيمات النازحين، مشيراً إلى أن مكتب الصحة اتخذ حزمة من الإجراءات الوقائية لمواجهة المرض والحد من انتشاره وسط تجمعات النازحين.

كردفان بؤرة الكوليرا

خلال العام الجاري، تفشت الكوليرا ثلاث مرات في ولاية غرب كردفان بالسودان، إذ بدأت في فبراير/شباط بمنطقة فوجا شمالي الولاية، وانتشرت في عدد من القرى، قبل أن تنتقل إلى محلية ود بندة التي سجلت فيها إصابات ووفيات في أربع قرى، ثم ظهرت للمرة الثالثة في أغسطس/آب بمحلية الإضية الواقعة في أقصى جنوب الولاية مخلفة نحو مائتي إصابة وعشرات الوفيات.
ومطلع الشهر الجاري، قالت منظمة الصحة العالمية إنه تم الإبلاغ عن أكثر من 2600 حالة إصابة بالكوليرا حتى أوائل شهر آب/أغسطس في ولايات متعددة، وإن مناطق كردفان تعد بؤرة التفشي الأخير.
وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في المؤتمر الصحفي اليومي، “أن الأمم المتحدة وشركاءها يكثفون جهود مكافحة الكوليرا، حيث يواصل العاملون في المجال الصحي تقديم العلاج وتنفيذ حملات التطعيم وتوزيع الإمدادات الطبية اللازمة.” مضيفا “أن الجهات الفاعلة في المجال الإنساني توسع نطاق جهودها لتوفير المياه النظيفة في كردفان، حيث توفر شبكة مياه أُعيد تأهيلها بدعم من منظمة اليونيسف في منطقة أبو جبيهة، مياها آمنة لنحو 25 ألف شخص يوميا، بمن فيهم 5 آلاف نازح.”
وقبل ذلك،قال ممثل الصحة العالمية في السودان شبل ​صهباني ‌لصحفيين في جنيف عبر رابط فيديو من ليبيا: “عادت الكوليرا”. وأضاف: “يبلغ معدل الوفيات 13.7 بالمئة، وهو معدل مرتفع للغاية، وبالطبع من المتوقع أن ‌يؤدي موسم الأمطار إلى تفاقم الوضع”.

والكوليرا مرض ينتشر ‌بسرعة ​ويسبب إسهالاً ويمكن أن يؤدي للوفاة إذا لم تتم معالجة مياه الصرف الصحي ومياه الشرب بشكل كاف.

مخاطر بيئية

وفي سياق متصل، يرى خبراء بيئيون أن الحرب تسببت في خلق مجموعة من المخاطر البيئية المباشرة وغير المباشرة، تبدأ من تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ولا تنتهي عند تراجع قدرة المؤسسات المختصة على مراقبة التلوث وإدارة الموارد الطبيعية.
كما حذروا من تلوث مصادر الشرب وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه، خاصة في مناطق النزوح والتجمعات السكانية المكتظة، والمخلفات الناتجة عن العمليات العسكرية، بما في ذلك بقايا الذخائر والمواد الخطرة والأنقاض الناتجة عن تدمير المباني والمنشآت.
ودعا تجمع البيئيين السودانيين وقطاع السياحة والبيئة بحزب المؤتمر السوداني إلى وقف الحرب معتبرا اياها أكبر تهديد يواجه البيئة السودانية في الوقت الراهن، محذرا من أن استمرار النزاع لا يقتصر تأثيره على الجوانب الإنسانية والاقتصادية فحسب، بل يمتد ليطال النظم البيئية والموارد الطبيعية التي يعتمد عليها ملايين السودانيين في حياتهم اليومية.

حالات غريبة بسبب الكيميائي

ومع الحديث عن المخاطر البيئية، رصدت تقارير”روائح غريبة” وأعراض حادة تتمثل في “السعال، وصعوبة التنفس، وتهيج العينين، وفي بعض الحالات أعراضاً مرتبطة بالجهاز الهضمي أو الجلد”.
وبحسب خبراء فإن حالات الضيق التنفسي الحاد، والروائح غير المعتادة، والانفجارات ذات الألوان غير المألوفة، والمشكلات الصحية طويلة الأمد، إلى جانب التدهور البيئي، تؤكد مؤشرات استخدام الأسلحة الكيميائية.
وجاء ذاك في تحقيق نشر خلال شهرسبتمبر 2026، قاده مسؤولون سابقون رفيعو المستوى في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، من بينهم مسؤولان كانا يعملان في المنظمة عندما حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2013، تقديراً لجهودها الرامية إلى تنفيذ الحظر العالمي على الأسلحة الكيميائية.
وتحدث المسؤولان السابقان في المنظمة، اللذان قادا فريق التحقيق، إلى “يورونيوز”، لكنهما طلبا عدم الكشف عن هويتيهما بسبب حساسية مضمون التحقيق.
وقال المسؤولان ليورونيوز إن “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والدول الأطراف فيها بحاجة إلى فتح تحقيق”، مشيرين إلى أن “دولة طرفاً واحدة على الأقل فرضت عقوبات على أفراد على خلفية الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية”، فضلاً عن وجود “ادعاءات جديدة ومتزايدة بشأن برنامج سري”، إلى جانب شهادات قوية من شهود تشير إلى وقوع حادث في سبتمبر/أيلول 2024 ربما تضمن استخدام الكلور.
واستند التحقيق، إلى شهادات ثمانية شهود سودانيين، جرى دعمها بمقاطع فيديو وصور ومواد رقمية أخرى أُنتجت من جانب الأشخاص الذين يُزعم أنهم تعرضوا لهذه المواد، وهي أدلة تشير إلى احتمال استخدام أسلحة كيميائية خلال النزاع.

أدلة أخرى

وفي السياق، وخلال شهر سبتمبر 2026، كشفت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز الأمريكيتان بشكل منفصل، عن معلومات استقصائية، استندت إلى وثائق سرية، تشير إلى إنشاء الجيش السوداني مخزونًا من الأسلحة الكيميائية، تشمل إنتاج وتطوير ذخائر وقنابل تحتوي على غاز الكلور، وأنه استخدمها ضد قوات الدعم السريع خلال الحرب الدائرة، في حين ينفي الجيش هذه الاتهامات.
وكشف واشنطن بوست، عن تحقيق استقصائي يستند إلى أدلة ووثائق سرية، يفيد بأن الجيش السوداني أنشأ مخزونًا سريًا للأسلحة الكيميائية ولجأ إلى استخدام قنابل الكلور خلال النزاع الجاري في السودان، في تطور خطير يفاقم مأساة الحرب الأهلية الدائرة منذ ثلاث سنوات، والتي خلفت أسوأ أزمة إنسانية في العالم، أشارت وثائق حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن الجيش السوداني طوّر وأنتج ذخائر تحتوي على غاز الكلور، ويُزعم أنه استخدمها ضد قوات الدعم السريع خلال الحرب الأهلية.

تحرّكات أمريكية

أمام هذه التطورات الخطيرة، بدأ في 20 يوليو/تموز 2026 سريان عقوبات أمريكية إضافية على السودان، بعد اتهام واشنطن الحكومة بعدم استيفاء الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية خلال مهلة استمرت 3 أشهر.
وتشمل العقوبات فرض قيود واسعة على القروض والمساعدات المالية والفنية المقدمة للسودان عبر المؤسسات المالية الدولية، مع استثناء المساعدات الإنسانية والغذائية، وفرض قيود على تصدير معظم السلع والتقنيات الأمريكية إلى السودان، مع إخضاع المنتجات ذات الاستخدام الأمني أو العسكري لسياسة تقوم على افتراض رفض منح تراخيص التصدير.
وفرضت واشنطن العقوبات الأولى على السودان خلال شهر مايو 2025، بعدما خلصت إلى أن البرهان هو من سمح باستخدام الأسلحة الكيميائية، في انتهاك للاتزامات السودان الدولية، إذ أن السودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999.
كما أعلنت واشنطن أمام الدورة الـ112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، في لاهاي خلال شهر يوليو 2026، أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيماوية، خلال عام 2024، معتبرة أنها لا تزال في حالة عدم امتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية خلال عام 2025. وأضافت إنها توصلت، بعد «تحليل فني صارم ومستقل»، إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيماوية خلال عام 2024، وأنها ظلت في حالة عدم امتثال خلال عام 2025.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى