ثقافة

الثورة التونسية بين تغيير النظام وتعثر التحول المجتمعي.. قراءة في كتاب «الانتقال المجتمعي المعطّل»

تظل الثورات في تاريخ المجتمعات لحظات كاشفة أكثر من كونها مجرد محطات سياسية حاسمة، فهي لا تقتصر على إسقاط نظام أو تغيير موازين السلطة، وإنما تكشف أيضا عمق التحولات التي راكمها المجتمع، وحجم الاختلالات التي ظلت قائمة داخله.

ومن هذه الزاوية، تصبح الثورة اختبارا يتجاوز المؤسسات السياسية إلى البنية الاجتماعية والثقافية نفسها، إذ تطرح سؤالا أساسيا حول قدرة المجتمع على تحويل الانفجار السياسي إلى تحول تاريخي مستقر، وعلى بناء منظومة جديدة من القيم والعلاقات والمؤسسات القادرة على مواكبة التغيير.

ويبدو هذا السؤال أكثر إلحاحا في الحالة التونسية، التي أطلقت ثورتها عام 2011 مسارا سياسيا غير مسبوق في المنطقة، وفتحت المجال أمام التعددية والحريات والتنافس الانتخابي، لكنها واجهت في المقابل أزمات متراكمة حالت دون تحول التغيير السياسي إلى انتقال مجتمعي شامل.

في هذا السياق يأتي كتاب الباحث والمفكر التونسي مولدي القسومي «الانتقال المجتمعي المعطّل: قراءة في نواظم الاجتماع السياسي المتلفة»، ليعيد طرح التجربة التونسية من زاوية مختلفة، لا تركز فقط على أداء الحكومات والأحزاب والمؤسسات، بل تبحث في البنية الاجتماعية والثقافية التي تشكل الإطار الأوسع للتحول السياسي.

من الثورة السياسية إلى الانتقال المجتمعي

ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن الانتقال السياسي لا يكفي وحده لإحداث تغيير تاريخي عميق، لأن تغيير قواعد السلطة والمؤسسات يحتاج إلى تحولات موازية في المجتمع، وفي طريقة فهم المواطنين للدولة والسلطة والمواطنة.

ومن هنا يميز القسومي بين الانتقال السياسي والانتقال المجتمعي. فالأول يمكن أن يتحقق عبر تغيير النظام السياسي أو إقرار دستور جديد أو إجراء انتخابات، بينما يحتاج الثاني إلى إعادة تشكيل أوسع للبنى الاجتماعية والثقافية وأنماط التفكير والعلاقات بين الدولة والمجتمع.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة عند قراءة التجربة التونسية، إذ إن السنوات التي أعقبت الثورة شهدت تغيرات كبيرة على مستوى المؤسسات السياسية، لكنها لم تشهد بالوتيرة نفسها تحولا عميقا في كثير من البنى الاجتماعية والثقافية.

وبذلك يطرح الكتاب سؤالا يتجاوز تقييم الحكومات والأحزاب: هل كانت الثورة قادرة وحدها على إنتاج مجتمع جديد، أم أن التحول السياسي كان يحتاج إلى مسار اجتماعي أطول وأكثر تعقيدا؟

بين سرعة السياسة وبطء المجتمع

تكمن إحدى أبرز إشكالات التحولات الثورية في الفارق بين سرعة الأحداث السياسية وبطء التغير الاجتماعي.

فقد يستطيع مجتمع ما إسقاط نظام سياسي خلال أسابيع أو أشهر، لكنه يحتاج إلى سنوات وربما عقود لإعادة تشكيل الثقافة السياسية والعلاقات الاجتماعية ومؤسسات الوساطة وأنماط ممارسة السلطة.

وهنا يستحضر الكتاب المفارقة التي عبّر عنها المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي عندما تحدث عن اللحظة التي «يموت فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد بعد»، وهي حالة انتقالية تتكثف فيها التناقضات ويصبح المجتمع عالقا بين منظومة قديمة فقدت جزءا من قدرتها على الاستمرار، ومنظومة جديدة لم تكتمل شروط ولادتها.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة المسار التونسي باعتباره محاولة طويلة للانتقال بين مرحلتين، لا مجرد سلسلة من الأحداث السياسية المتعاقبة.

فالثورة أزاحت النظام السابق وفتحت المجال أمام إمكانات جديدة، لكنها تركت في الوقت نفسه الكثير من البنى والعلاقات والثقافات السياسية والاجتماعية التي كانت موجودة قبلها.

المجتمع في قلب تفسير التعثر

تختلف أهمية كتاب «الانتقال المجتمعي المعطّل» عن كثير من القراءات التي تناولت تونس بعد 2011 في أنه ينقل مركز الاهتمام من المؤسسات السياسية إلى المجتمع.

فالدستور والانتخابات والأحزاب والبرلمان والحكومات كلها عناصر أساسية لفهم التحول، لكنها لا تقدم وحدها تفسيرا كاملا لما حدث.

فالكاتب يحاول البحث في البيئة الاجتماعية التي تتحرك داخلها هذه المؤسسات، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، وفي دور النخب والمثقفين والمؤسسات الوسيطة والجامعة والطبقات الاجتماعية.

وهذه المقاربة تجعل الديمقراطية أكثر من مجرد مجموعة من القواعد والإجراءات، إذ تصبح ممارسة اجتماعية تحتاج إلى ثقافة سياسية قادرة على دعمها وإعادة إنتاجها في الحياة اليومية.

كما تفتح الباب أمام سؤال آخر: هل ينبغي أن يسبق التحول الاجتماعي بناء المؤسسات الديمقراطية، أم أن المؤسسات الديمقراطية نفسها تستطيع المساهمة في إنتاج الثقافة الاجتماعية التي تحتاج إليها؟

والتجارب التاريخية تشير إلى أن العلاقة بين المسارين ليست خطية، فالمؤسسات تؤثر في المجتمع كما يؤثر المجتمع فيها، وقد تسهم الممارسة الديمقراطية نفسها في تشكيل قيم جديدة وتغيير سلوك المواطنين والنخب مع مرور الوقت.

الحداثة والمدنية.. فجوة بين المؤسسات والمجتمع

يولي القسومي اهتماما واضحا لقضايا الحداثة والمدنية، ويربط بينها وبين مسألة التعثر المجتمعي.

فوجود مؤسسات حديثة لا يعني بالضرورة أن البنى الاجتماعية والثقافية أصبحت حديثة بالدرجة نفسها. وقد تنشأ فجوة بين شكل المؤسسات وطبيعة العلاقات والقيم السائدة داخل المجتمع.

وتظهر أهمية هذه المسألة عند تحليل مرحلة ما بعد الثورة، حيث برزت خلافات واسعة حول مفهوم الدولة المدنية، وحدود الدين في المجال العام، وطبيعة المواطنة، وموقع القيم التقليدية في المجتمع الحديث.

ولم تكن هذه الخلافات مجرد صراعات حزبية أو انتخابية، بل عكست اختلافات أعمق بشأن صورة المجتمع الذي يراد بناؤه بعد الثورة.

ومن الطبيعي أن تظهر مثل هذه التناقضات في المجتمعات التي تمر بتحولات تاريخية كبرى، إذ لا تنتقل المجتمعات دفعة واحدة إلى تصور مشترك للمستقبل، بل تتصارع داخلها رؤى متعددة حول الهوية والدولة والدين والحداثة والحريات.

المقدس والدنيوي وصراع التصورات

أظهرت التجربة التونسية بعد الثورة أن العلاقة بين الدين والسياسة ستظل واحدة من أكثر القضايا حساسية في مسار التحول.

ففتح المجال العام أتاح ظهور تيارات واتجاهات مختلفة، بعضها يدفع نحو توسيع حضور المرجعية الدينية في المجال السياسي، وبعضها يتمسك بفصل أكثر وضوحا بين المجالين الديني والسياسي.

ولا يمكن فهم هذا الصراع بمعزل عن التحولات الاجتماعية التي شهدتها تونس خلال عقود سابقة، أو عن طبيعة الدولة التونسية وتراثها في مجال التشريع والتعليم والمرأة والحريات.

ومن ثم، فإن النقاش حول المقدس والدنيوي لا يتعلق فقط بمواقف الأحزاب، بل يكشف عن تعدد التصورات التي يحملها المجتمع نفسه بشأن معنى الحداثة والدولة والمواطنة.

أزمة النخب ودور المثقف

يحتل موضوع النخب والمثقف موقعا مهما في أطروحة القسومي، باعتبار أن التحولات الكبرى تحتاج إلى نخب قادرة على صياغة رؤى تتجاوز الصراع على السلطة إلى بناء مشروع مجتمعي.

لكن تجربة ما بعد الثورة أظهرت وجود أزمة ثقة متزايدة بين قطاعات من المجتمع والنخب السياسية والفكرية، كما كشفت عن صعوبة بناء توافقات طويلة الأمد بين القوى المختلفة.

ويرتبط ذلك أيضا بدور المؤسسات الوسيطة التي يفترض أن تصل المجتمع بالدولة، مثل الأحزاب والنقابات والمنظمات والجمعيات ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية.

ويستعيد هذا النقاش بعض أفكار غرامشي بشأن المثقف العضوي، الذي لا يقتصر دوره على إنتاج المعرفة، وإنما يرتبط بالمجتمع ويشارك في تشكيل وعيه وصياغة تصورات جديدة للواقع.

وفي لحظات التحول الكبرى، تصبح وظيفة المثقف أكثر تعقيدا، لأن المجتمع لا يحتاج فقط إلى تفسير ما يحدث، وإنما يحتاج أيضا إلى إنتاج المعنى وإعادة بناء الثقة وإيجاد لغة مشتركة بين الفئات المختلفة.

الشعبوية.. نتيجة لأزمة المؤسسات والنخب

تظهر الشعبوية في الكتاب باعتبارها إحدى النتائج المحتملة لأزمة النخب والمؤسسات الوسيطة.

فحين تتراجع ثقة المواطنين في الأحزاب والبرلمان والمؤسسات السياسية، يصبح الخطاب المباشر الذي يتجاوز الوسائط أكثر قدرة على استقطاب الجمهور.

وفي تونس، تزامن صعود الشعبوية مع تراكم مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتراجع ثقة قطاعات من المجتمع في النخب الحزبية، وتزايد الشعور بأن النظام السياسي الذي نشأ بعد الثورة لم يتمكن من معالجة المشكلات اليومية للمواطنين.

ومن هنا لا يمكن تفسير صعود الرئيس قيس سعيد بمعزل عن هذه البيئة المعقدة، لأن التحولات السياسية عادة لا تنتج عن عامل واحد، بل عن تفاعل مجموعة من الأزمات والمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية.

ويمكن في هذا السياق الاستفادة من مفهوم المجال العمومي لدى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، الذي يربط قوة الحياة الديمقراطية بوجود فضاء عام قادر على إنتاج النقاش والتوافق والتواصل بين المواطنين والنخب.

فعندما يضعف هذا المجال وتتسع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات، يصبح الخطاب السياسي المباشر أكثر جاذبية، وقد تتحول أزمة التمثيل إلى أزمة في النظام السياسي نفسه.

الثورة.. هل تنتهي بسقوط النظام؟

من أكثر الأسئلة إثارة التي يطرحها الكتاب إعادة التفكير في معنى الثورة.

فالثورة، وفق هذه المقاربة، لا تنتهي بمجرد سقوط النظام الذي قامت ضده، لأن إسقاط السلطة القديمة يمثل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، تتعلق بقدرة المجتمع على إنتاج البديل.

وهنا يظهر الفرق بين الثورة بوصفها حدثا سياسيا والثورة بوصفها مسارا تاريخيا.

فالحدث قد يكون سريعا ومفاجئا، بينما يحتاج المسار إلى تراكم طويل من الإصلاحات والتجارب والصراعات وإعادة بناء المؤسسات والثقافة السياسية.

وتونس تقدم مثالا واضحا على هذه المفارقة، فقد استطاعت الثورة تغيير قواعد اللعبة السياسية في فترة قصيرة، لكنها واجهت لاحقا صعوبات في تحويل تلك اللحظة إلى مشروع اجتماعي مستقر يحظى بتوافق واسع.

إسبانيا.. نموذج مختلف للانتقال

يمكن مقارنة التجربة التونسية ببعض التجارب الديمقراطية الأخرى، ومنها إسبانيا التي دخلت مرحلة الانتقال الديمقراطي بعد نهاية حكم فرانثيسكو فرانكو.

لم تكن كل شروط الثقافة الديمقراطية مكتملة لحظة بدء الانتقال، لكن الإصلاحات السياسية والتوافقات وبناء المؤسسات والانتخابات ساعدت تدريجيا في ترسيخ ممارسة سياسية جديدة.

وتكشف هذه التجربة أن الثقافة الديمقراطية ليست بالضرورة شرطا مكتملًا قبل بناء المؤسسات، وإنما يمكن أن تتطور بالتوازي معها.

وهذا يعيدنا إلى الحالة التونسية، حيث لا يمكن اختزال المشكلة في غياب الثقافة الديمقراطية وحده، كما لا يمكن تحميل المؤسسات وحدها مسؤولية التعثر.

فالعلاقة بين المجتمع والمؤسسات تبادلية، وكل طرف يؤثر في الآخر باستمرار.

خريطة لأعطاب الاجتماع السياسي

يقسم القسومي كتابه إلى ستة فصول، تسبقها مقدمة نظرية وتعقبها خاتمة، ويتنقل خلالها بين مجموعة من القضايا التي تبدو مترابطة داخل رؤية واحدة.

ويبدأ بتأصيل مفهوم الانتقال المجتمعي وشروطه، قبل الانتقال إلى التشكيلات الاجتماعية وبنية الطبقات، ثم يناقش الحداثة والمدنية والعلاقة بين المقدس والدنيوي.

كما يتناول النخب والمثقف والطبقة المستنيرة والشعبوية، وصولا إلى الطبقة السياسية وما يسميه «البوليتيكاريا».

ومن خلال هذه الموضوعات يحاول رسم خريطة لما يعتبره أعطابا أصابت الاجتماع السياسي، حيث لا تظهر الدولة والمجتمع والنخب والجامعة والأحزاب والثقافة والمؤسسات الوسيطة باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما أجزاء من منظومة واحدة.

ووفق هذا التصور، فإن اختلال أحد هذه المكونات يؤثر في بقية المكونات، ويحد من قدرة المجتمع على استثمار الفرص التي تتيحها التحولات السياسية.

ما الذي تكشفه التجربة التونسية؟

تطرح التجربة التونسية سؤالا أوسع من حدودها الجغرافية، يتعلق بطبيعة الثورات والتحولات الديمقراطية في المجتمعات التي تعاني تراكمات تاريخية معقدة.

فالثورة تستطيع فتح المجال أمام الحريات والتعددية، لكنها لا تستطيع وحدها القضاء على البطالة أو الفوارق الاجتماعية أو ضعف المؤسسات أو أزمة الثقة أو هشاشة الثقافة السياسية.

كما أن تغيير القوانين لا يؤدي تلقائيا إلى تغيير السلوك الاجتماعي، وبناء المؤسسات لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح مستعدا لمنحها الثقة والشرعية.

ولهذا فإن نجاح التحول التاريخي يحتاج إلى تفاعل متواصل بين الإصلاح السياسي والتغيير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.

الثورة بوصفها بداية لا نهاية

في النهاية، تكمن أهمية أطروحة «الانتقال المجتمعي المعطّل» في أنها تعيد وضع المجتمع في قلب النقاش حول الثورة التونسية.

فالثورة لا تكشف فقط ما هو قائم، وإنما تفتح أيضا إمكانات جديدة، وما يحدث بعد الثورة يمثل اختبارا لهذه الإمكانات، وفي الوقت نفسه يصبح مرحلة جديدة تتشكل خلالها قدرة المجتمع على التغيير.

ومن هذه الزاوية، فإن تعثر الانتقال لا يعني بالضرورة أن الثورة كانت بلا أثر، كما أن التغيير السياسي لا يعني بالضرورة اكتمال الثورة.

فالتحولات التاريخية الكبرى تحتاج إلى زمن أطول من زمن الأحداث السياسية، وإلى بناء تدريجي للقيم والمؤسسات والعلاقات التي تجعل التغيير قابلا للاستمرار.

وربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه التجربة التونسية هو: هل تستطيع المجتمعات أن تحول لحظة الثورة من انفجار سياسي عابر إلى تحول اجتماعي طويل الأمد؟

ذلك أن إسقاط النظام قد يكون لحظة حاسمة، لكن بناء المجتمع الذي يستطيع إنتاج نظام سياسي جديد ومستقر هو الاختبار الأصعب والأطول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى