اختلاف الأعداء وخطر الإخوان المسلمين… شهادة وفاة مبكرة لتحالف مكة الثلاثي

فتحت المعلومات المتوفرة عن اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان الباب على مصراعيه أمام جملة أسئلة من قبل مراقبين ومخاوف أيضًا لدول المنطقة حول ما تتضمنه البنود والهدف الحقيقي من الاتفاق خصوصًا ما يتعلق باختلاف أعداء العواصم الثلاث (الرياض وأنقرة وإسلام آباد).
وعلى الرغم النفي المتتالي من الدول الثلاث – سواء بشكل مباشر أو ضمني – عن أن التحالف موجه ضد دولة بعينها ثم الدعوة التركية إلى توسيع نطاق الاتفاق بضم دول عربية أخرى، دفع مراقبون لطرح أسئلة في شأن موقع تنظيم الإخوان المسلمين والجماعات الإرهابية المشابهة من تحركات التحالف على أرض الواقع.
يقول الصحفي الاستقصائي المتخصص في شؤون الأمن والسياسة بمنتدى الشرق الأوسط، غريغ رومان، إن “الاتفاق هو مجرد توسيع لاتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك السعودية الباكستانية، الموقعة في سبتمبر 2025، والتي تضمنت بندًا مماثلاً بشأن الهجوم على طرف واحد، لتشمل تركيا، وتختتم بذلك مفاوضات استمرت قرابة عام”.
لكن رومان يشير في الوقت نفسه إلى عدم وجود خطوط واضحة حول كثير من الأمور التي تحدد مصير المعاهدات، إذ “لم يحدد بيان اتفاق مكة أي التزامات عسكرية، ولا قيادة مشتركة، ولا آلية نشر تلقائي، ولا هيئة لصنع القرار على غرار حلف الناتو، ولم تجد التقارير الأولية أي تفاصيل حول ما يلتزم به أي طرف موقع فعليًا في حال تعرض طرف آخر لهجوم”.
وهنا يعيد التذكير بتأكيدات تركيا أن “الاتفاق دفاعي بحت، ولا يستهدف أي دولة، وهو مفتوح أمام دول إقليمية أخرى، ومكمل لحلف الناتو، وأن القرارات المتعلقة باستخدام القوة تبقى قرارات وطنية. أما المسألة النووية فقد أصر نائب وزير الخارجية السعودي رائد قرملي على أن الاتفاق ليس محورًا عسكريًا أو كتلة طائفية، وليس مرتبطًا بأي طموحات نووية أو سباق تسلح. وقالت باكستان عن اتفاق العام الماضي إن الأسلحة الذرية ليست مطروحة على رادارها”.
لكن يبقى الأمر الغريب – بحسب الصحفي الاستقصائي – هو “وصف مسؤول سعودي رفيع المستوى المعاهدة الثنائية التي توسع نطاقها بأنها تشمل جميع الوسائل العسكرية”، وفي المقابل فإن سلسلة النفي السابقة من الأطراف الثلاثة “تضيق نطاق المسألة، حتى وإن لم تنهها”.
ويمضي في تحليله بقوله: “اتفاق مكة حتى الآن، لا يلزم بشيء محدد. وهذا يجعله اليوم، مجرد إعلان مصحوب بحفل توقيع، وهو المسار السعودي الثاني من نظرة طويلة والذي انتقل من مرحلة التخطيط إلى مرحلة قانون المعاهدات. ويبقى أن الاختبار ليس في اللغة، بل في القذيفة الأولى، وقد سقطت القذيفة الأولى بالفعل”. هذه إشارة من الكاتب إلى الاستهداف الحوثي للسعودية والذي لم يسجل رد فعل من باكستان أو تركيا.
ويؤكد أن “اتفاق مكة على الورق هو اتفاق دفاع متبادل، ومن حيث بنيته هو أشبه بفرقة إطلاق نار متبادلة، وأي الوصفين سيسجله التاريخ يعتمد على ما إذا كان أحد سيستدعي هذا البند يومًا ما.. ووفقًا لمنطق الاتفاقات، ينبغي تقييم كل تطور بناء على ما إذا كان يوسع أو يضيق نطاق التكتل الذي سيواجه إيران فعليًا”.
ويتوقف الصحفي الاستقصائي المتخصص في شؤون الأمن والسياسة بمنتدى الشرق الأوسط، غريغ رومان، أمام طبيعة التكوين الثلاثي لأعضاء الاتفاق في ظل وجود أعداء مختلفين لكل دولة، فيقول: “يبدو جليًا أن تحالفًا يمتلك أعضاؤه ثلاثة أعداء رئيسيين مختلفين – الهند بالنسبة إلى باكستان وإيران بالنسبة إلى السعودية وأي عدو تفرضه الظروف بالنسبة لتركيا – فإن هذا الأمر يضيق التكتل، وقد ينتهي به الأمر يومًا إلى استنزافه من الداخل”.
ترقب وقلق
عن رؤيته للتحالف السعودي التركي الباكستاني المعلن، يقول المحلل العسكري خالد النسي إن هناك ترقبًا وقلقًا في الشرق الأوسط من هذا التحالف، وينعكس هذه الحال على كثير من الدول العربية بما فيها دول خليجية.
ويضيف النسي، في منشور له قبل أيام عبر حسابه بمنصة إكس: “هذا التحالف في حال نجاحه (وهذا مستبعد جدًا) لا يمكن أن يكون تعزيزًا لأمن واستقرار المنطقة بل سيكون داعم للفوضى والإرهاب لأن الدول الثلاث لها علاقات بتنظيمات ومليشيات إرهابية تتواجد في جميع مناطق الصراع في المنطقة والتي تحاول أن تمدد إرهابها ليشمل جميع الدول العربية في المنطقة”.
ويشدد هنا على “علاقة السعودية وتركيا بتنظيم الاخوان المسلمين وميليشياته المسلحة في اليمن والسودان وحركة الشباب الإرهابية في الصومال، بالإضافة إلى أن تركيا لها علاقة بتنظيم الإخوان المسلمين في مصر وبعد سقوطهم هناك أصبحت تدعم الفوضى الداخلية لزعزعة أمن واستقرار مصر
أما عن باكستان فيوضح أنها تربطها علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية قوية مع إيران ولا يمكن التفريط فيها من أجل السعودية مهما كانت المصالح المادية التي تحصل عليها منها إلى جانب أن الشيعة في باكستان يصل عددهم إلى حدود 40 مليون نسمة وهذا يجعلها في المرتبة الثانية عالميا من حيث أكبر تجمع سكاني للشيعة في العالم بعد إيران وهذا يعني أن الحكومة الباكستانية لن تدخل في صراع مع أي ميليشيات شيعية خارج الحدود الباكستانية لأن هذا سيخلق لها أزمة طائفية في الداخل بل قد تستغل طهران التواجد العسكري الباكستاني لدعم وتعزيز مليشياتها في المنطقة وخاصة الحوثيين
وينبه النسي إلى أن السعودية ومن خلال هذا التحالف ضربت بعرض الحائط أمن واستقرار ومصالح دول المنطقة وخاصة الدول الخليجية، وقد تكون هذه الخطوة هي المسمار الأخير في نعش مجلس التعاون الخليجي” بل والتنسيق العسكري والأمني مع دول الجوار العربي.
تحالف من ورق
في تحليلها عن اتفاق مكة ترى منصة عين الجنوب أنه “لم تمض سوى أيام قليلة على موجة التطبيل والتهليل التي رافقت الإعلان عن الاتفاقية العسكرية الثلاثية بين تركيا والسعودية وباكستان، حتى بدأت الأسئلة الصعبة تفرض نفسها على المشهد، بعدما نسب إلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حديث يضع الاتفاق في إطار مختلف تمامًا عن الصورة التي جرى تسويقها إعلاميًا، حيث أكد فيه أن أنقرة لا تنظر إليه باعتباره مدخلاً إلى مواجهة عسكرية مع إيران أو الحوثيين”.
وتشير المنصة إلى أن “فيدان في حديثه قال إن الاتفاق لا يعني أن تركيا ستدخل حربًا ضد إيران، ولا أنها ستشارك في قصف الحوثيين، فيما وصف التعاون بين الدول الثلاث بأنه يتركز بصورة أساسية على التدريب والتعاون، إلى جانب ما يحمله الاتفاق من دلالة سياسية وإعلامية على قوة العلاقات بينها.. وهنا تحديدًا تتوقف ماكينة التهويل، ويبدأ السؤال الحقيقي: هل جرى تقديم الاتفاق للرأي العام باعتباره تحالفًا عسكريًا موجهًا إلى خصوم محددين، بينما كانت حسابات أطرافه الفعلية أكثر تحفظاً بكثير؟
وتنبه إلى أنه “منذ الإعلان عن الاتفاق، سارع بعض الكتاب والمحللين ووسائل الإعلام العربية إلى تقديمه باعتباره تحولاً استراتيجيًا كبيرًا في موازين القوى الإقليمية، بل ذهب بعضهم إلى تصويره كرسالة ردع مباشرة لإيران، وكأن المنطقة كانت على موعد مع تشكيل جبهة عسكرية جديدة ستعيد رسم خريطة التحالفات وتفرض معادلات مختلفة على طهران وجماعة الحوثي، غير أن السياسة الدولية لا تقاس بحجم العناوين، ولا بعدد البيانات الاحتفالية، وإنما بما تلتزم به الدول فعلياً عندما تصل الأمور إلى لحظة الاختبار”.
وتعيد منصة عين الجنوب التذكير بأن “الدول لا تدخل الحروب بالشعارات، ولا ترسل جيوشها إلى ساحات القتال لأن محللاً أو كاتبًا أراد أن يرى في اتفاق سياسي إعلانًا لمواجهة عسكرية. لكل دولة حساباتها ومصالحها وحدودها، وقد تتفق عدة دول على التعاون العسكري والتدريب وتبادل الخبرات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها شكلت تحالفًا حربيًا يستهدف دولة بعينها”.
وتقول أيضًا: “المفارقة أن بعض الأصوات العربية تعاملت مع الاتفاق وكأنه عصا غليظة أُشهرت في وجه إيران، بينما تكشف التصريحات التركية المتداولة أن أنقرة نفسها لا تقدم الاتفاق بهذه الصورة. وإذا كان الاتفاق، وفق التفسير التركي، يركز على التدريب والتعاون وتعزيز العلاقات، فإن كل تلك القراءات التي قفزت مباشرة إلى سيناريو المواجهة تبدو بحاجة إلى مراجعة جادة”.





