الأُبَيض في الواجهة.. كيف يستخدم إخوان السودان استراتيجية التضليل؟

في مقطع متداول نشره ناشطون سودانيون خلال الساعات الماضية، ظهر مدنيون، مقيدون تحت شجرة بلا أحذية، بعد محاولتهم الخروج من مدينة الأبيض السودانية في إقليم كردفان التي تتمركز فيها الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش في بورتسودان.
وتقع مدينة الأبيض في وسط السودان، وتربط بين كردفان وإقليم دارفور من جهة، وبين الخرطوم والولايات الوسطى من جهة أخرى، بالإضافة إلى شمال السودان وصولاً إلى منطقة المثلث الحدودية مع ليبيا ومصر، وهي طرق تمر عبرها حركة الإمدادات العسكرية والتجارية.
ومؤخراً، أصبح المدنيون، يعيشون ظروفاً معيشية شديدة الصعوبة، ونتيجة لذلك أعلنت حكومة تحالف تأسيس “حكومة السلام” موافقتها على فتح ممرات آمنة للمدنيين في مدينة الأبيض، وأكدت التزامها بتسهيل وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين دون عوائق أو تمييز، بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية، إلى جانب توفير الضمانات اللازمة لخروج المدنيين الراغبين في مغادرة المدينة إلى مناطق آمنة.
كما أكدت استعدادها لمواصلة التنسيق والحوار مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الشركاء الدوليين والإقليميين، للتوصل إلى إجراءات عاجلة تكفل حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم، تحت إشراف المجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي.
وقالت في بيان رسمي، إنها “تتابع باهتمام بالغ الحوارات الجارية مع المجتمع الدولي بشأن حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وفتح ممرات آمنة للمدنيين في مدينة الأبيض”، معربة عن ترحيبها بالجهود الدولية الرامية إلى معالجة الأوضاع الإنسانية المتدهورة.
ونتيجة لذلك، حاول بعض المدنيين الخروج عبر الممرات الآمنة، لكن وحدات من الجيش اعترضت طريقهم، وقال الناشط السوداني عبدو البحيري، إن المقطع يظهر “حقيقة الحماية المزعومة للجيش الذي أغلق الأبيض ويعتقل في المدنيين ويمنعهم من المرور خارجها”.
وتحدثت تقارير سودانية، عن قيود مشددة فرضها الجيش في الأبيض على حركة المواطنين، منعت عدداً من المدنيين مغادرة المدينة، ووصف ناشطون محليون هذه الإجراءات بأنها “تمييزية”، معتبرين أنها تعمق حالة الغضب وسط السكان، خاصة في ظل غياب أي توضيح رسمي من اللجنة الأمنية بولاية شمال كردفان بشأن أسباب منع المدنيين من المغادرة، أو المعايير التي يتم بموجبها السماح للبعض بالخروج دون غيرهم.
وتعيش مدينة الأبيض حالة من الانفلات الأمني، وسط شكاوى متزايدة من تعرض مواطنين لعمليات ترهيب ونهب داخل بعض الأحياء، نُسبت إلى عناصر ترتدي زياً نظامياً.
في غضون ذلك، يرى مراقبون، أن حكومة بورتسودان تعمل على تحويل تركيز الاهتمام الدولي والإعلامي على مدينة الأبيض عبر الترويج لاحتمال تعرضها لهجوم، وربط ذلك بحملة اتهامات موجهة ضد قوات تأسيس وحلفائها.
ويؤكد مراقبون، أن الحملة الممنهجة، تتزامن مع تحركات عسكرية للجيش والقوات المتحالفة معه في شمال كردفان، بما يشير إلى محاولة تحويل الأنظار عن الاستعدادات العسكرية في جبرة الشيخ ورهيد النوبة.
كما تأتي ضمن استراتيجية الخداع التي يعتمدها الجيش في بورتسودان، منذ اندلاع الحرب منتصف إبريل 2023، للتغطية على جرائمه في مناطق أخرى من السودان، حيث يشن غارات عشوائية من حين لآخر، على تجمّعات المدنيين.
وفي السياق، تقول الناشطة السودانية ريناد، إن ” إعلام الجيش السوداني ينشر أخبار مفبركة عن الأبيض، في محاولة لصرف الأنظار عن الحاصل في الزرق” وأكدت في تغريدة على منصة إكس أمس السبت: “هناك القصف مستمر على المدنيين، والبنية التحتية بتتعرض للتدمير، وانتهاكات الجيش وحكومة بورتسودان ما زالت مستمرة الكضب ما بغيّر الحقيقة، والواقع أوضح من أي دعاية.”
وتتزامن هذه الاتهامات مع اتهامات أخرى، للميلشيات المتحالفة مع الجيش، بتجنيد الأطفال، وتحديداً كتيبة “البراء بين مالك الإسلامية”، والتي فرضت عليها الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً عقوبات دولية.
واتهم المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان، اليوم الأحد، “كتيبة البراء بن مالك” الإسلامية، التي تصنفها الولايات المتحدة كياناً إرهابياً، بمواصلة تجنيد الأطفال قسراً من داخل المدارس.
وقال المرصد، في بيان، إنه حصل على أدلة مصورة جديدة تظهر عمليات تجنيد قسري للأطفال من داخل المدارس، قبل نقلهم إلى مواقع تدريب عسكري في منطقة الساحة الخضراء بالخرطوم، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل،اللذا يحظران إشراك القاصرين في النزاعات المسلحة.
وضمن الانتهاكات التي ترتكبها بورتسودان وحلفاؤها، اتهمت حكومة تحالف تأسيس (حكومة السلام) في السودان الطيران المسيّر التابع للجيش باستهداف قافلة تجارية مدنية محملة بالمواد الغذائية، قادمة من ليبيا.
وأعربت في بيان رسمي، عن بالغ “إدانتها واستنكارها استهداف قافلة تجارية مدنية قادمة من ليبيا عبر طريق الصحراء، كانت تنقل مواد غذائية وسلعا أساسية مملوكة لمواطنين سودانيين، بالطيران المسيّر”، متهمة الجيش السوداني، الذي وصفته بـ”ميليشيات جيش الإخوان الإرهابي”، بالوقوف وراء الهجوم. وأضافت أن “الحادث أسفر عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، وأثار مخاوف بالغة بشأن سلامة المدنيين وحرية حركة التجارة والإمدادات الأساسية”.
ولفتت إلى أن “استهداف هذه القافلة التجارية بالتزامن مع اغتيال 7 من طلاب الشهادة السودانية في منطقة أم قرفة، لا يمثل فقط انتهاكا ممنهجا للقانون الإنساني الدولي، بل يعتبر استهتارا واضحا بالمؤسسات الدولية، ففي الوقت الذي ينعقد فيه مجلس حقوق الانسان لمناقشة الأوضاع الإنسانية في السودان تقوم جماعة بورتسودان الإرهابية بهذه الانتهاكات الإنسانية الجسيمة”.
جرائم مستمرة في الأزرق
وخلال الفترة الأخيرة، يشهد إقليم النيل الأزرق، تصعيدا عسكريا مقلقا بحسب المنظمات الحقوقية، إذ يشن سلاح الجو التابع لبورتسودان، هجمات من حين لآخر، على الأسواق، والمستشفيات.
وكانت مجموعة محامو الطوارئ، قد اتهمت الجيش في بورتسودان، خلال شهر مايو المنصرم، بقتل 10 مدنيين وأصابة العشرات معظمهم من النساء والأطفال في قصف بطائرة مسيَّرة تابعة له، استهدف سوقاً في إقليم النيل الأزرق.
وقالت إن ” الهجوم هو الثاني على المنطقة بعد واقعة 31 مارس الماضي التي خلّفت حريقاً واسعاً داخل السوق وأعمال نهب لاحقة طالت ممتلكات المدنيين.” مشيرة إلى أن ذلك يأتي «وسط شح حاد في المساعدات الإنسانية وتضييق متزايد على العمل الإنساني، في سياق تصاعد العمليات العسكرية وتوسّع نطاقها وما ترتب على ذلك من اتساع دائرة العنف».
وأكدت أن الحرب، تسببت في تدهور متسارع للأوضاع الأمنية والإنسانية وارتفاع موجات النزوح القسري نحو الدمازين والروصيرص ومخيمات بود الماحي وأقدي.





