دولية

الاغتصاب كسلاح حرب في السودان: ناجيات يتمسكن بأطفال وُلدوا من العنف وسط مأساة إنسانية متفاقمة

في ظل الحرب المستمرة في السودان، تواجه ناجيات من العنف الجنسي واقعًا بالغ القسوة، إذ اختارت بعضهن الاحتفاظ بأطفال وُلدوا نتيجة عمليات اغتصاب ارتكبت خلال النزاع، رغم ما يرافق ذلك من وصمة اجتماعية وضغوط نفسية وظروف معيشية صعبة.

وتروي نسمة (26 عامًا – اسم مستعار) تفاصيل حادثة تعرّضت فيها لاغتصاب جماعي على يد عناصر مسلحة أثناء رحلة عودتها إلى الخرطوم لاستخراج وثائق رسمية، بعد أن أوقفت قوات مسلحة الحافلة وفصلت الرجال عن النساء قبل الاعتداء عليها.

وبعد أشهر من الصدمة، اكتشفت نسمة أنها حامل، وقررت الاحتفاظ بالطفل، مؤكدة أنه “لا ذنب له”، قبل أن تنجب ابنها الذي يبلغ الآن عامًا واحدًا، بينما تسعى حاليًا لإيجاد عمل يعينها على تربيته.

وتعد حالة طفلها واحدة من آلاف الحالات لأطفال وُلدوا نتيجة اعتداءات جنسية خلال سنوات الحرب بين الجيش السوداني وRapid Support Forces.

شهادات من دارفور: عنف متكرر ومأساة ممتدة

في إقليم دارفور، تتكرر قصص الناجيات بصور مختلفة، حيث تروي حياة (20 عامًا) أنها تعرضت للاغتصاب أثناء فرارها من مخيم زمزم قرب الفاشر بعد اقتحامه، في هجوم خلف آلاف القتلى وشهد انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

ورغم المأساة، تتمسك حياة بطفلها الرضيع على أمل أن يحظى بحياة أفضل مما عانته هي من حرب ونزوح وفقدان.

كما تكشف شهادات أخرى عن حجم الانتهاكات، إذ أصبحت راوية (17 عامًا) حاملاً بعد اعتداء أثناء الفرار، بينما فقدت علياء جنينها بعد احتجازها لأسابيع عقب تعرضها للاغتصاب.

وفي حالة ماجدة، التي فقدت زوجها وشقيقها خلال الحرب، قررت الاحتفاظ بالطفل الذي حملت به نتيجة الاغتصاب، رغم ارتباطه بصدمة نفسية عميقة.

الاغتصاب كسلاح حرب وتفكك اجتماعي واسع

تشير تقارير أممية وحقوقية إلى أن العنف الجنسي استُخدم بشكل ممنهج خلال الحرب السودانية كأداة للترهيب والسيطرة وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية، خاصة في دارفور.

وأكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات أن الاعتداءات الجنسية تُستخدم لإحداث تفكك اجتماعي عميق وضرب النسيج المجتمعي في مناطق النزاع.

وتوضح منظمات إنسانية أن غالبية الضحايا لا يبلّغن عن الانتهاكات خوفًا من الانتقام أو الوصمة، في مجتمع محافظ يفرض قيودًا اجتماعية صارمة على الناجيات.

كما أشارت تقارير إلى أن بعض الأسر ترفض استقبال الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب، في حين يلجأ آخرون إلى تبنيهم بشكل غير رسمي، ما يخلق أزمة هوية قانونية وإنسانية لهؤلاء الأطفال.

أزمة صحية وقانونية تتفاقم

تحذر منظمات دولية من انتشار عمليات الإجهاض غير الآمن بين الناجيات، في ظل ضعف الخدمات الطبية والنفسية، ونقص الدعم المؤسسي.

وتؤكد تقارير طبية أن العديد من النساء يصلن إلى المراكز الصحية في حالات حرجة نتيجة محاولات إجهاض بدائية، ما يزيد من معدلات الخطر على حياتهن.

كما يواجه الأطفال المولودون نتيجة هذه الانتهاكات صعوبات قانونية كبيرة، أبرزها صعوبة استخراج شهادات الميلاد، وهو ما يحرمهم لاحقًا من التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.

وفي ظل استمرار النزاع، تبقى النساء الناجيات من العنف الجنسي في مواجهة مزدوجة بين آثار الحرب الجسدية والنفسية من جهة، والوصمة الاجتماعية والتحديات القانونية من جهة أخرى، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى