دولية

سبيس إكس وولادة وول ستريت الجديدة: من “برمجيات خفيفة” إلى اقتصاد يحرق المليارات

يجلس مارك أمام شاشته مترقبا، وهو مستثمر فردي أمريكي لا يملك سوى بضع مئات من الدولارات، يحاول اقتناص فرصة نادرة لدخول أحد أكبر أسواق الطرح العام في تاريخ وول ستريت. أمامه عرض غير مسبوق من شركة SpaceX المملوكة لإيلون ماسك، يَعِد الأفراد بامتلاك حصة في مشروع يوصف بأنه لبنية تحتية لمستقبل الإنترنت الفضائي والذكاء الاصطناعي.

ووفق العرض المطروح، تسعى الشركة إلى جمع نحو 75 مليار دولار عند تقييم يقترب من 1.77 تريليون دولار، في خطوة تُصنف كأحد أضخم الطروحات العامة الأولية في تاريخ الأسواق المالية، متجاوزةً أرقامًا قياسية سابقة مثل طرح أرامكو عام 2019. كما حُدد سعر السهم عند 135 دولارا، مع بدء التداول في 12 يونيو.

اللافت في هذا الطرح أنه يمنح المستثمرين الأفراد حصة تصل إلى ثلث الأسهم، وهي نسبة تفوق بكثير ما هو معتاد في مثل هذه العمليات، ما يجعله عرضًا استثنائيًا من حيث البنية والتوزيع.

لكن قراءة التقارير المالية تكشف صورة أكثر تعقيدًا؛ فالشركة، رغم تقييمها الضخم، ما زالت في مرحلة تتطلب إنفاقا رأسماليا مرتفعا مقارنة بالإيرادات. ويُنظر إلى هذا الطرح من قبل بعض المحللين على أنه ليس مجرد مشاركة في النمو، بل أيضا نقل جزئي للمخاطر إلى المستثمرين الأفراد، الذين يدخلون السوق في مرحلة ما قبل نضوج نموذج الربحية الكامل.

وتأتي هذه التطورات في سياق تحول أوسع داخل صناعة التكنولوجيا، حيث لم تعد البرمجيات تعمل وفق النموذج التقليدي القائم على انخفاض التكلفة الحدية والتوسع السريع في الأرباح، بل باتت تعتمد بشكل متزايد على بنية تحتية كثيفة رأس المال، تشمل مراكز بيانات ضخمة، ورقائق متقدمة، واستهلاكا هائلا للطاقة.

هذا التحول يعيد صياغة الفرضية التي طرحها المستثمر التقني مارك أندريسن حين قال إن “البرمجيات تلتهم العالم”، إذ يبدو أن الذكاء الاصطناعي أعاد تعريف هذه القاعدة، محولا الاقتصاد الرقمي إلى صناعة أقرب إلى الصناعات الثقيلة من حيث التكاليف والاستثمارات.

ويشير محللون إلى أن هذا النموذج الجديد يجعل شركات التكنولوجيا الكبرى أقرب في بنيتها إلى مشاريع البنية التحتية الضخمة مثل السكك الحديدية ومحطات الطاقة، بدلا من شركات البرمجيات التقليدية.

وتعزز بيانات الإنفاق الرأسمالي هذا الاتجاه؛ إذ ترتفع الاستثمارات في البنية التحتية بوتيرة تفوق نمو الإيرادات في بعض الحالات، ما يعكس انتقال القطاع إلى مرحلة تعتمد على “الإنفاق المستمر” للحفاظ على النمو والتوسع.

وفي هذا السياق، يرى بعض الخبراء أن التحول من نموذج “الأصول الخفيفة” إلى نموذج “الأصول الثقيلة” قد يعيد تشكيل ميزان المخاطر في وول ستريت، حيث يصبح حجم الإنفاق والقدرة على تمويله عاملا حاسما في تحديد موقع الشركات في السوق.

وبينما يفتح هذا التحول الباب أمام توسع تقني غير مسبوق، فإنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول توزيع المخاطر، خصوصا مع دخول مستثمرين أفراد إلى أسواق كانت حتى وقت قريب حكرا على المؤسسات الكبرى ورؤوس الأموال الضخمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى