ليالي رمضان في سلطنة عُمان: مشهد روحاني يتجدد في المساجد

مع انقضاء ساعات الصيام في سلطنة عُمان، تتجه جموع المصلين إلى المساجد في مشهد إيماني مهيب، حيث يصطحب الآباء أبناءهم بملابسهم العُمانية البيضاء، وتتوافد العائلات إلى جوامع محددة لإحياء صلاة التراويح والقيام ومتابعة ختم القرآن الكريم كاملًا.
وتتحول بعض المساجد إلى وجهات رئيسية للعبادة، لا يقتصر دورها على أداء الفرائض فحسب، بل تمتد لتقديم تلاوات قرآنية متقنة يؤديها نخبة من القرّاء العُمانيين الحاصلين على مراتب متقدمة في مسابقات دولية.
وتبرز في هذه الليالي منارات قرآنية يقصدها المصلون طلبًا للخشوع، ومواكبة لختمات قرآنية تُقام بتنظيم دقيق وأصوات ندية تعمّق الأجواء الروحانية.
مسجد الحشاة.. منارة علمية وروحية في ولاية سناو
في قلب ولاية سناو، يبرز مسجد الحشاة كأحد أبرز المحطات الروحية والعلمية، إذ ارتبط اسمه بالعلامة المربي حمود بن حميد الصوافي، أحد أعلام الدعوة والتعليم في عُمان، الذي جمع بين التأصيل الشرعي والتربية والدعوة.
وُلد الشيخ في بلدة المغدر خلال أربعينيات القرن الماضي، ورغم فقدانه للبصر في سن مبكرة، واصل مسيرته العلمية بإصرار حتى أصبح من الشخصيات المؤثرة، وأسهم في تأسيس مدرسة علمية خرّجت أجيالًا من طلاب العلم.
وقد مُنح وسام الإشادة السلطانية من الدرجة الثانية عام 2023 تقديرًا لإسهاماته في العمل المجتمعي والمبادرات الأهلية.
ويحافظ المسجد على تقليد ختم القرآن الكريم ختمتين كاملتين خلال التراويح والتهجد، وهو نهج متواصل منذ سنوات طويلة بإشراف الشيخ حمود الصوافي، حيث يتقدم اليوم تلامذته لإمامة المصلين في مشهد وفاء علمي وروحي مميز.
ويشارك في الإمامة عدد من القراء البارزين، من بينهم محمد بن عبدالله المعمري، إمام وخطيب وصاحب القراءات السبع، والحاصل على مراكز متقدمة في مسابقات قرآنية دولية، إضافة إلى القارئ المهندس سلطان بن حمد البوسعيدي الذي يتولى إمامة التهجد منذ نحو خمسة عشر عامًا.
جامع السلطان قابوس في صحار.. عمارة فريدة وختمات قرآنية دولية المستوى
في مدينة صحار، يبرز جامع السلطان قابوس كأحد أبرز المعالم الدينية الحديثة، إذ افتُتح عام 2016 بتصميم معماري يستلهم الطراز الإسلامي في بخارى وسمرقند وطشقند، مع لمسات هندسية مميزة وقباب كريستالية وأربع منارات شاهقة.
ويضم الجامع قاعة صلاة رئيسية تتسع لآلاف المصلين، إلى جانب مرافق تعليمية ومكتبة واسعة تحتوي على آلاف الكتب.
ومنذ خمس سنوات، يلتزم الجامع بإقامة ختمة كاملة للقرآن الكريم خلال التراويح والتهجد، بإمامة قراء حققوا إنجازات عالمية في المسابقات القرآنية.
ويؤم المصلين القارئ معاذ بن سالم المشرفي، الحاصل على مراكز متقدمة عالميًا في مسابقات حفظ القرآن، إلى جانب القارئ عبد العزيز بن منير المسروري المتوج في مسابقات دولية في التلاوة والتجويد، ما جعل الجامع مقصدًا روحيًا بارزًا في شمال الباطنة.
جامع أبي بلال المرداس.. تنظيم دقيق وختمة قرآنية يومية في مسقط
في منطقة الموالح بالعاصمة مسقط، يقدّم جامع أبي بلال المرداس نموذجًا متطورًا في إدارة صلاة القيام، من خلال نظام يشارك فيه أكثر من 20 إمامًا من أصحاب الأصوات الندية.
ويعتمد الجامع برنامجًا يوميًا لقراءة جزء ونصف من القرآن خلال صلاة التراويح المكونة من 12 ركعة، ما يتيح إتمام ختمة كاملة بحلول ليلة العشرين من رمضان.
وفي العشر الأواخر، يُعتمد نظام القراءة المفتوحة الذي يتيح مساحة أكبر للدعاء والابتهال، ضمن تنظيم يراعي كثافة الحضور ويضمن انسيابية الختمات وتنوع القراء.
جامع الجليل.. تجربة إيمانية متكاملة في المعبيلة الجنوبية
في المعبيلة الجنوبية بمحافظة مسقط، يبرز جامع الجليل كوجهة إيمانية واظبت على إقامة ختمة قرآنية منتظمة خلال صلاة التهجد طوال شهر رمضان.
ويعود الفضل في هذا التنظيم إلى الأستاذ لقمان بن خلفان المياحي، أحد حفظة القرآن والمجازين، وأحد مؤسسي الجامع الذين عملوا على تطويره ليكون منارة دينية واجتماعية.
ويشارك في الإمامة نخبة من القراء المجازين، من بينهم لقمان المياحي، وإبراهيم بن سعيد الصوافي الحاصل على المركز الأول في مسابقة السلطان قابوس للقرآن الكريم، وسالم بن إدريس الرواحي الحاصل على مراكز متقدمة في المسابقة ذاتها، ما جعل صلاة التهجد تجربة روحانية مميزة.
جامع القلعة في نزوى.. ذاكرة تاريخية وصوت قرآني ممتد عبر القرون
في مدينة نزوى، تتجسد عراقة التاريخ في جامع القلعة، أحد أقدم المساجد في عُمان، إذ يعود تأسيسه إلى عام 192هـ، وشكّل عبر قرون مركزًا علميًا ودينيًا بارزًا.
وقد شهد المسجد أول صلاة جمعة في المدينة، وتخرج منه عدد من العلماء والأدباء، قبل أن يُعاد بناؤه في العصر الحديث بدعم من السلطان الراحل قابوس بن سعيد وافتتاحه عام 1980.
ويستوعب الجامع آلاف المصلين، ويضم مدرسة لتحفيظ القرآن ومكتبة عامة، فيما يشهد في رمضان حضورًا كبيرًا لصلاة التهجد يتجاوز الألف مصلٍ.
ويؤم المصلين نخبة من الحفاظ، ما يمنح ليالي القيام فيه طابعًا يجمع بين روح العبادة وعمق التاريخ العُماني الأصيل.





