الانقلاب التكنولوجي.. كيف تعيد شركات الذكاء الاصطناعي تشكيل موازين القوة العالمية بين الدولة والسوق؟

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة والصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي، يتصاعد الجدل حول النفوذ المتنامي لشركات التكنولوجيا الكبرى، والتي لم تعد مجرد فاعل اقتصادي أو تقني، بل باتت عنصرًا مؤثرًا في السياسة والأمن وتدفق المعلومات على المستوى العالمي.
ومع توسع سيطرة هذه الشركات على البنية التحتية الرقمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتقنيات البيانات والمراقبة، يشير محللون إلى أن ميزان القوة التقليدي بين الدولة والسوق بدأ يشهد إعادة تشكيل تدريجية، حيث أصبحت هذه الكيانات قادرة على التأثير في مسارات سياسية وجيوسياسية تتجاوز حدودها التجارية.
وفي هذا السياق، ترى ماريتجه شاكي، المديرة الدولية للسياسات في “Stanford Cyber Policy Center” وعضو البرلمان الأوروبي السابقة، في كتابها “الانقلاب التكنولوجي: كيف ننقذ الديمقراطية من وادي السيليكون” (The Tech Coup: How to Save Democracy from Silicon Valley)، أن العالم يمر بمرحلة انتقالية تُنقل فيها أجزاء من السلطة تدريجيًا من الحكومات الديمقراطية إلى شركات التكنولوجيا العملاقة.
وتحذر شاكي من أن هذا التحول لا يقتصر على النفوذ الاقتصادي، بل يمتد إلى مجالات الأمن القومي وإدارة المعلومات خلال النزاعات، معتبرة أن القرارات التي تتخذها شركات الذكاء الاصطناعي باتت تؤثر مباشرة على الجغرافيا السياسية والحريات العامة والثقة في الفضاء الرقمي.
وتشير إلى أن تصاعد دور هذه الشركات في عصر الذكاء الاصطناعي، مدعومًا بعلاقات وثيقة مع دوائر سياسية واقتصادية كبرى في الولايات المتحدة، جعلها لاعبًا مركزيًا في صياغة السياسات الرقمية العالمية، بدل أن تكون مجرد أداة ضمن إطار تنظيمي حكومي.
وفي ظل هذا الواقع، يزداد القلق من استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات عسكرية واستخباراتية، إلى جانب تقنيات المراقبة وتحليل البيانات، وما يرافق ذلك من تأثير على السرديات الإعلامية خلال الأزمات والنزاعات.
وتؤكد شاكي أن بعض الحكومات لا تزال غير قادرة على فرض رقابة فعالة على هذا النفوذ المتنامي، أو تطوير بدائل تقنية منافسة، مما يعمّق الفجوة بين القدرة التنظيمية للدول وبين سرعة تطور قطاع التكنولوجيا.
وتخلص إلى أن استعادة التوازن تتطلب من الحكومات الديمقراطية الانتقال من مجرد تنظيم شركات التكنولوجيا إلى بناء قدرات تقنية بديلة داخلها، بما يضمن تقليل الاعتماد على الشركات الكبرى واستعادة قدر أكبر من السيطرة على الفضاء الرقمي.





