دولية

لماذا اختيرت جنيف لتوقيع مذكرة واشنطن وطهران؟ حسابات الرمزية واللوجستيات تتقدم على الوساطة

لم يعد الجدل حول مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مرتبطًا بمضمونها فقط، بل انتقل إلى سؤال أكثر دلالة: لماذا جنيف تحديدًا لتوقيعها، رغم أن مسار المفاوضات ارتبط سابقًا بإسلام آباد؟

تشير التحليلات الواردة إلى أن اختيار جنيف لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل قرارًا يجمع بين اعتبارات سياسية ورمزية ولوجستية معقدة.

فمن الناحية الدبلوماسية، تتمتع جنيف بمكانة خاصة باعتبارها “عاصمة الحياد” عالميًا، ما يجعلها بيئة مناسبة لتوقيع اتفاق بين طرفين خصمين دون انحياز لأي منهما. كما أن وجود مقرات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية يمنح الاتفاق طابعًا متعدد الأطراف ويعزز من ثقله القانوني والسياسي.

أما من الزاوية الإيرانية، فإن جنيف ليست مدينة جديدة على مسار التفاوض، إذ ارتبط اسمها بمحطات رئيسية في الملف النووي، ما يمنح اختيارها بعدًا استمراريًا يربط الاتفاق الجديد بمسارات تفاوضية سابقة أكثر استقرارًا.

في المقابل، تتقدم الاعتبارات الأمريكية ذات الطابع العملي. فالقرب الجغرافي من فرنسا، حيث تُعقد قمة مجموعة السبع في إيفيان، إضافة إلى سهولة الوصول مقارنة بإسلام آباد، يجعل جنيف خيارًا أقل كلفة وأكثر كفاءة من حيث الوقت والترتيبات الأمنية. كما أن ذلك يقلل من الإرهاق اللوجستي للوفود رفيعة المستوى.

وتذهب قراءات أخرى إلى أن استبعاد إسلام آباد من موقع التوقيع لا يلغي دورها، بل يعيد تعريفه كوسيط لا كمركز للحدث، بما يمنع تحولها إلى طرف مُسيّس في سردية الاتفاق.

ويضيف محللون أن اختيار جنيف يحقق توازنًا دقيقًا: فهو يمنح الاتفاق غطاءً دوليًا محايدًا، ويحد من الحساسية الإقليمية، ويجنب ظهوره كصفقة داخل محور جغرافي واحد.

في المحصلة، يبدو أن “مكان التوقيع” في هذه الحالة لا يقل أهمية عن نص الاتفاق نفسه، إذ يُستخدم كأداة سياسية لتثبيت شرعية التفاهم، وتوجيه رسائل حول طبيعته وموقعه داخل النظام الدولي، أكثر من كونه مجرد إجراء شكلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى