تصعيد عسكري في اليمن.. ضربات حوثية تستهدف قوات الطوارئ بعد حملة ضد طرق التهريب

شهد اليمن تصعيدا عسكريا لافتا خلال الأيام الأخيرة، بعدما شنت جماعة أنصار الله (الحوثيين) هجمات مكثفة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة استهدفت مواقع تابعة لقوات الطوارئ الحكومية في محافظتي مأرب وحضرموت شرقي البلاد.
وجاءت الهجمات، وفقا لما أورده مدير المركز الإعلامي للفرقة الأولى طوارئ منصور الزيلعي، ردا على عملية أمنية واسعة نفذتها القوات الحكومية في مناطق صحراوية من حضرموت ومأرب وشبوة وأجزاء من الجوف، بهدف قطع طرق تهريب الأسلحة والمخدرات القادمة عبر المسارات الصحراوية من جهة الحدود مع سلطنة عمان.
ويكشف هذا التصعيد عن أهمية المناطق الصحراوية الشرقية في الصراع اليمني، ليس فقط باعتبارها ساحات عمليات عسكرية، وإنما لارتباطها بشبكات الإمداد والتهريب التي تسعى الأطراف المتصارعة إلى السيطرة عليها أو تعطيلها.
الصحراء الشرقية.. شريان لوجستي
تتمتع المناطق الصحراوية الممتدة بين مأرب وشبوة وحضرموت والجوف بأهمية جغرافية وأمنية كبيرة، نظرا لاتساع مساحاتها ووجود شبكة من الطرق غير المعبدة التي يمكن استخدامها بعيدا عن نقاط التفتيش والمنافذ الرسمية.
وبحسب الزيلعي، تمثل هذه الرقعة الجغرافية ممرا حيويا لطرق التهريب القادمة من الحدود والمنافذ الشرقية، وصولا إلى المناطق التي توجد فيها مراكز القيادة والتصنيع العسكري التابعة لجماعة الحوثيين في شمال ووسط اليمن.
وأشار إلى أن المهربين يعتمدون على مسارات صحراوية متفرعة لتمرير الأسلحة والمعدات التقنية ومكونات تستخدم في تصنيع المتفجرات، وهو ما يجعل السيطرة على هذه الطرق عاملا مؤثرا في قدرة الجماعة على تأمين احتياجاتها اللوجستية.
وتسعى القوات الحكومية، من خلال الانتشار في هذه المناطق، إلى قطع هذه المسارات وإجبار شبكات التهريب على تغيير طرقها أو التوقف عن نشاطها.
حملة أمنية استباقية
نفذت الفرقة الأولى طوارئ حملة أمنية وصفت بالاستباقية، شملت مناطق صحراوية في محافظات عدة، وهدفت إلى استهداف مواقع وشخصيات يشتبه في ارتباطها بشبكات التهريب.
وقال الزيلعي إن إحدى أبرز العمليات تمثلت في مداهمة مقر الشيخ علي الهفتري المعروف باسم «أبي زامل»، حيث قالت القوات إنها عثرت على ورش تستخدم لتصنيع ألغام وعبوات ناسفة، إلى جانب كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.
والفرقة الأولى طوارئ تشكيل عسكري وأمني تابع لوزارة الدفاع في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وتضطلع بمهام تتعلق بتأمين الطرق الدولية ومكافحة التهريب والإرهاب، مع انتشار وحداتها في مناطق صحراوية استراتيجية بين مأرب وشبوة وحضرموت.
وأكد الزيلعي أن المعلومات الاستخباراتية التي سبقت العملية ساعدت القوات على تحديد مواقع مرتبطة بشبكات التهريب، مشيرا إلى أن الحملة استهدفت أيضا الحد من استخدام العبوات الناسفة ضد القوات الحكومية.
انتشار عسكري واسع
وبعد التحقيق مع عدد من العناصر التي ألقي القبض عليها، قالت القوات الحكومية إنها تمكنت من تحديد مجموعة من المسارات الصحراوية التي تستخدمها قوافل التهريب.
وبحسب المصدر نفسه، دفعت التطورات بالقيادة العسكرية إلى نشر أربعة ألوية تضم أكثر من 200 عربة عسكرية في المناطق الصحراوية الممتدة بين مأرب وحضرموت.
وأدى الانتشار، وفقا للرواية الحكومية، إلى تعزيز الرقابة على الطرق الصحراوية وضبط عدد من شحنات وقوافل التهريب، الأمر الذي اعتبرته القوات خطوة للضغط على شبكات الإمداد المرتبطة بجماعة الحوثيين.
وتكتسب هذه العمليات أهمية إضافية بسبب اعتماد القوات المنتشرة في المناطق الشرقية على خطوط إمداد برية طويلة، ما يجعل تأمين الطرق وحمايتها من العبوات الناسفة والكمائن أحد العناصر الأساسية للحفاظ على قدرتها العملياتية.
ضربات حوثية انتقامية
في المقابل، ردت جماعة الحوثيين بهجمات صاروخية استهدفت مواقع تابعة لقوات الطوارئ الحكومية، في تصعيد وصفته مصادر عسكرية بأنه محاولة للرد على الحملة الأمنية التي استهدفت طرق التهريب ومواقع مرتبطة بها.
وقال الزيلعي إن الهجمات تركزت على معسكر «الثنية» ومقر قيادة الفرقة في منطقة «العبر»، واستهدفت بشكل خاص عنابر الجنود المستجدين وبعض المنشآت القيادية.
وأفاد بأن الهجوم الأول وقع صباح الخميس، قبل أن تتعرض قوات الفرقة الثالثة لهجوم آخر في وقت لاحق من اليوم.
وبحسب الرواية التي نقلها المصدر، استخدمت جماعة الحوثيين نحو 17 صاروخا باليستيا، إلى جانب ما بين 5 و7 طائرات مسيرة انتحارية، لاستهداف مواقع الفرقتين.
ولم يصدر، وفق المعلومات الواردة في التقرير، موقف تفصيلي من المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثيين بشأن حجم الهجوم أو الخسائر الناتجة عنه.
تجنب خسائر أكبر
ويرى الزيلعي أن وجود جزء كبير من القوة العسكرية والقيادات في المناطق الصحراوية خلال تنفيذ العملية الأمنية أسهم في الحد من الخسائر داخل المعسكرات المستهدفة.
وأوضح أن القوات كانت قد دفعت بجزء كبير من عناصرها إلى مناطق العمليات الصحراوية، في الوقت الذي تعرضت فيه المعسكرات للهجمات، وهو ما أبقى عددا من القيادات والضباط بعيدا عن مواقع الاستهداف.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التصعيد لم يكن مجرد تبادل محدود للضربات، وإنما جاء في سياق مواجهة أوسع تتداخل فيها العمليات العسكرية مع محاولات السيطرة على طرق الإمداد والتهريب.
معركة تتجاوز خطوط الجبهات
وتكشف التطورات الأخيرة عن تحول متزايد في طبيعة الصراع اليمني، إذ لم تعد المواجهة محصورة في خطوط التماس التقليدية، بل امتدت إلى المناطق الصحراوية وشبكات الطرق والإمداد التي تمثل عنصرا حاسما في استمرار العمليات العسكرية.
وتحاول القوات الحكومية من خلال تشديد الرقابة على المسارات الصحراوية تقليص قدرة جماعة الحوثيين على الحصول على الأسلحة والمعدات عبر الطرق غير الرسمية، بينما تسعى الجماعة إلى الرد على هذه الإجراءات باستهداف مواقع القوات التي تشارك في عمليات التأمين والملاحقة.
وبذلك أصبحت السيطرة على الصحراء الشرقية جزءا من معركة أوسع تتعلق بالقدرة على تأمين الإمدادات وقطعها في آن واحد، في وقت يظل فيه الوضع العسكري في اليمن قابلا لمزيد من التصعيد مع استمرار الضربات المتبادلة بين الأطراف المتصارعة.





