اقتصاد

أزمة الغاز تخنق تعز.. طوابير الفجر وشح الإمدادات يثقلان كاهل السكان

في ساعات الصباح الأولى، وقبل انقشاع الضباب عن قمم جبل صبر المطلة على أحياء مديرية صالة شرقي تعز، بدأ الشاب عبود محمد، البالغ من العمر 29 عاما، رحلة البحث عن أسطوانة غاز. حمل الأسطوانة بيده اليمنى، بعدما فقد يده اليسرى خلال مواجهات سابقة، متجها إلى إحدى نقاط التعبئة في المدينة.

ورغم إعاقته، يواصل عبود حياته وسط ظروف صعبة، لكن الحصار الذي تعيشه تعز منذ نحو 12 عاما عاد ليضاعف معاناته، في ظل أزمة حادة في الغاز المسال مستمرة منذ نحو أربعة أشهر، انعكست على الأسر ووسائل النقل والخدمات اليومية.

رحلة شاقة للحصول على أسطوانة غاز

يضطر سكان تعز إلى قطع مسافات طويلة في شوارع المدينة الوعرة بحثا عن أسطوانة واحدة، في وقت تتقلص فيه الخيارات المتاحة أمام آلاف الأسر التي تكافح لتوفير احتياجاتها الأساسية وسط تراجع الموارد وارتفاع تكاليف المعيشة وتصاعد التوتر على خطوط التماس.

وفي منطقة عصيفرة شمالي المدينة، وتحديدا عند «محطة الجبل»، يبدأ المواطنون بالتوافد منذ ساعات ما قبل شروق الشمس، لتتشكل طوابير طويلة تضم العمال والموظفين والمعلمين والطلاب وكبار السن، وجميعهم ينتظرون دورهم لتعبئة أسطواناتهم.

يقول عبود محمد إن خروجه من منزله كان بعد صلاة الفجر مباشرة من أجل حجز مكان في الطابور، مشيرا إلى أن الانتظار بات جزءا من الحياة اليومية في المدينة، وأن الحصول على أبسط الاحتياجات أصبح يتطلب جهدا وملاحقة متواصلة.

وفي الجهة المقابلة، تصطف حافلات النقل الداخلي والمركبات في طابور طويل يمتد لنحو 500 متر، في مشهد يعكس حجم الاختناق الذي أصاب سوق الغاز في المدينة.

سائقون يبيتون في حافلاتهم

لم تقتصر الأزمة على الأسر، بل طالت بصورة مباشرة سائقي وسائل النقل الداخلي الذين يعتمدون على الغاز في تشغيل حافلاتهم وتأمين مصدر دخلهم.

وعلى امتداد الطرق المؤدية إلى محطات التعبئة، تنتظر عشرات المركبات لساعات طويلة، بينما يضطر بعض أصحاب الحافلات إلى البقاء فيها منذ ساعات الليل المتأخرة حتى يحين دورهم للحصول على الوقود.

ومن بين هؤلاء السائق محمد سيف، البالغ 50 عاما، الذي قال إنه وصل إلى الطابور منذ الخامسة صباحا، لكنه ظل أمامه عدد كبير من المنتظرين. وأوضح أن المحطة لا تسمح له سوى بتعبئة أسطوانة واحدة، بسعة تقارب 20 لترا، وهي كمية لا تكفي لتشغيل الحافلة حتى نصف يوم.

وتسببت أزمة الإمدادات في ارتفاع تكلفة النقل الداخلي، الذي يعتمد عليه مئات الآلاف من السكان والطلاب، إذ ارتفعت أجرة ركوب الحافلات من 200 ريال يمني إلى 300 ريال بالعملة الجديدة، أي بزيادة قدرها 50%.

ويبلغ السعر الرسمي لأسطوانة الغاز، التي تبلغ سعتها 20 لترا، نحو 11 ألف ريال يمني بالعملة الجديدة، بما يعادل نحو 5.5 إلى 6 دولارات وفقا لأسعار الصرف السائدة في المناطق الخاضعة للحكومة، والتي تتراوح بين 1900 و2000 ريال للدولار.

لكن المشكلة الأساسية، وفقا للواقع الذي يعيشه السكان، لا تكمن في السعر بقدر ما تتمثل في عدم توفر الغاز أصلا، إذ يجد المواطن نفسه عاجزا عن الحصول عليه حتى عندما يمتلك ثمنه، في ظل غياب الإمدادات التجارية والتنافسية الكافية.

شح الإمدادات يفاقم الاختناق

وفي منطقة بير باشا، رافقت «الجزيرة نت» السائق عبد المجيد علي، البالغ 45 عاما، أثناء توجهه بحافلته نحو المطار القديم، حيث تحدث عن اضطراره إلى اتخاذ إجراء يعكس حجم الأزمة التي يعيشها سكان المدينة.

وقال عبد المجيد إنه اضطر إلى إزالة أسطوانة الغاز المستخدمة في منزله وتركيبها في الحافلة حتى يتمكن من الذهاب إلى العمل وتأمين قوت أسرته، مؤكدا أن الغاز اختفى بشكل كامل من المحطات منذ أيام.

ويعود جانب كبير من الأزمة إلى التراجع الحاد في كميات الغاز التي تصل إلى تعز، المدينة التي تعاني أصلا من عزلة وصعوبات مستمرة في وصول الإمدادات.

وكانت المحافظة تحصل في السابق على نحو 7 مقطورات من الغاز يوميا، وتتراوح حمولة المقطورة الواحدة بين 25 و30 طنا من الغاز المسال، بما يعادل قرابة 14 ألف أسطوانة يوميا.

لكن الكميات تراجعت حاليا إلى ما بين 3 و4 مقطورات يوميا فقط، توزع على محطات شركة النفط السبع في المدينة، وهو ما أدى إلى عجز يتجاوز 50% من الحد الأدنى للاحتياجات.

وتغطي هذه الإمدادات المتناقصة احتياجات 10 مديريات، هي المظفر، والقاهرة، والتعزية، وصالة، وصبر الموادم، وصبر مشرعة وحدنان، والمسراخ الصلو، وحيفان، إضافة إلى أجزاء من جبل حبشي.

وبينما تتواصل طوابير المواطنين أمام محطات التعبئة، يجد سكان تعز أنفسهم أمام أزمة تتجاوز نقص مادة أساسية، لتتحول إلى عبء يومي يضغط على الأسر، ويرفع كلفة النقل، ويهدد مصدر رزق العاملين في قطاع المواصلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى