السودان من ممر تهريب إلى مركز تصنيع.. كيف تمدد الكبتاغون وسط الفوضى والحرب؟

على الضفة الشرقية لنهر النيل في منطقة الجيلي شمال الخرطوم، اكتشفت القوات السودانية بعد استعادة المنطقة منشأة ضخمة لتصنيع الكبتاغون، داخل ثلاثة مبانٍ إسمنتية محصنة كانت قوات الدعم السريع تمنع الاقتراب منها لأشهر.
وبحسب المعاينات الأولية، لم يكن الموقع مجرد مخزن أو نقطة تهريب، بل خط إنتاج صناعي متكامل يضم مكابس أقراص وخلاطات ضخمة ومواد خام، مع قدرة إنتاجية تصل إلى نحو 100 ألف حبة في الساعة، ومكونات تكفي لتصنيع 700 مليون حبة، بينما قدرت قيمة المعدات بنحو 3 ملايين دولار.
هذا الاكتشاف عكس تحولا خطيرا في دور السودان، من دولة عبور هامشية إلى مركز متنامٍ لتصنيع الكبتاغون على نطاق واسع.
ما هو الكبتاغون؟
الكبتاغون هو الاسم التجاري القديم لمركب “فينثيلين”، الذي طُرح في ألمانيا عام 1961 كعلاج لبعض اضطرابات الانتباه والاكتئاب. لكنه حُظر لاحقا بعد ثبوت مخاطره العالية، مثل الإدمان والهلوسة والسلوك العدواني.
وينتمي الكبتاغون إلى فئة منشطات الجهاز العصبي المركزي، إذ يرفع مستويات الدوبامين في الدماغ، ما يمنح المتعاطي شعورا بالنشاط والثقة والنشوة لفترات طويلة، لكنه يقود مع الوقت إلى الاعتماد القهري والانهيار النفسي والجسدي.
ولهذا اشتهر لاحقا بلقب “كوكايين الفقراء” بسبب تأثيره القوي وسعره الأرخص مقارنة بمخدرات أخرى.
وجود قديم في السودان.. لكن بحدود
لم يكن الكبتاغون غريبا عن السودان، إذ ظهرت ضبطيات كبيرة منذ أكثر من عقد، لكن البلاد كانت تُستخدم غالبا ممرا للتهريب بين المنتجين في سوريا والأسواق المستهدفة في الخليج.
ومن أبرز الضبطيات السابقة:
- مليون حبة عام 2010
- 1.4 مليون قرص في بورتسودان عام 2014 مخبأة داخل شحنات ذرة
- أول مصنع موثق عام 2015 في جبل أولياء جنوب الخرطوم
- منشأة أخرى جرى تفكيكها عام 2018
ورغم ذلك، بقي الإنتاج محدودا وغير صناعي حتى اندلاع الحرب.
سقوط سوريا نقل الشبكات إلى السودان
كان نظام بشار الأسد في سوريا يُتهم بأنه أحد أهم مراكز إنتاج الكبتاغون عالميا. وبعد سقوطه أواخر 2024، بدأت السلطات السورية الجديدة حملة واسعة دمّرت المختبرات والمستودعات وصادرت مئات الملايين من الحبوب.
لكن تفكيك المركز السوري لم ينهِ التجارة، بل دفع الشبكات الإجرامية إلى البحث عن بدائل أقل رقابة وأكثر هشاشة أمنية. وهنا برز السودان، الذي كان يعيش حربا مفتوحة وانهيارا مؤسسيا.
الحرب السودانية صنعت البيئة المثالية
منذ اندلاع القتال في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تفككت مؤسسات الدولة وتراجعت الرقابة الجمركية والأمنية، وخرجت مناطق واسعة من السيطرة.
في هذا الفراغ، تسارع التصنيع المحلي للكبتاغون:
- يونيو 2023: ضبط منشأة في النيل الأزرق
- أغسطس 2024: اكتشاف مصنع شمال الخرطوم مع 10 ملايين حبة
- فبراير 2025: تفكيك مختبر الجيلي العملاق
وتشير البيانات إلى أن الطاقة الإنتاجية قفزت من أقل من 10 آلاف حبة في الساعة إلى نحو 100 ألف خلال أقل من عامين.
لماذا السودان تحديدا؟
يمتلك السودان عدة عوامل تجعله موقعا مثاليا لشبكات التهريب:
- ساحل طويل على البحر الأحمر يصعب مراقبته بالكامل
- قرب مباشر من أسواق الخليج
- حدود واسعة ومفتوحة نسبيا
- حرب داخلية تعيق الرقابة
- بنية نقل تربط الموانئ بالداخل
ولهذا استمرت ضبطيات ضخمة مرتبطة بهذا المسار، سواء في السعودية أو الإمارات أو قرب بورتسودان.
الخطر الحقيقي
التحول الأخطر ليس فقط في وجود مصانع، بل في ترسخ اقتصاد موازٍ قائم على المخدرات داخل دولة تعاني الحرب والانهيار.
فعندما يتحول بلد مضطرب إلى مركز إنتاج، تصبح شبكات المخدرات جزءا من التمويل والتهريب والسلاح والفساد، ويصبح اقتلاعها لاحقا أكثر صعوبة.
الخلاصة
ما يحدث في السودان يتجاوز ملف الجريمة المنظمة. إنه انتقال مركز صناعة الكبتاغون من سوريا إلى بيئة جديدة مزقتها الحرب، ما يهدد السودان والمنطقة معا. وإذا استمر الانفلات، فقد يتحول البلد إلى أحد أهم مراكز إنتاج المخدرات في الشرق الأوسط وأفريقيا.





