الأقمار الصناعية تكشف فظائع الحرب في السودان وسط انهيار التغطية الميدانية

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، واجهت التغطية الصحفية تراجعاً حاداً، خاصة مع تصاعد الانتهاكات في مدينة الفاشر وما رافقها من انقطاع للاتصالات واستهداف للصحفيين، ما أدى إلى شبه غياب للتغطية الميدانية.
وفي ظل هذا الفراغ الإعلامي، برز دور تكنولوجيا الفضاء والتحليل عن بُعد، خصوصاً صور الأقمار الصناعية، كأداة رئيسية لتوثيق الانتهاكات وكشف المجازر، في وقت أصبحت فيه هذه التقنيات بمثابة “عين رقابية” ترصد ما يجري على الأرض من الخارج.
توثيق بصري لعمليات القتل الجماعي
اعتمدت تقارير بحثية، بينها أعمال صادرة عن مختبر جامعة ييل للأبحاث الإنسانية، على صور أقمار صناعية وتقنيات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)، لتوثيق ما وُصف بأنه عمليات قتل جماعي في مدينة الفاشر بعد سيطرة قوات الدعم السريع.
وأظهرت التحليلات تغيرات في لون التربة إلى درجات محمرة قرب مواقع انتشار قوات قوات الدعم السريع، إضافة إلى رصد أشكال على الأرض يُعتقد أنها تتوافق مع جثث بشرية، بحسب ما ورد في التقارير البحثية.
كما أشارت تقارير إعلامية دولية إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، بينها ما نُقل عن مقتل مئات المدنيين داخل منشآت طبية، في سياق أحداث وُصفت بأنها من بين الأكثر دموية منذ بداية النزاع.
مقابر جماعية وتدمير البنية المدنية
كشفت صور الأقمار الصناعية أيضاً عن تغيّرات طبوغرافية في مدينة الفاشر، تضمنت اختفاء جثث كانت مرصودة سابقاً في الشوارع، وظهور حفر أرضية يُعتقد أنها مقابر جماعية.
وأشارت التحليلات إلى وجود نشاط حفر منظم في بعض المواقع، بالتزامن مع توقف شبه كامل للحياة المدنية، بما في ذلك الأسواق، ورصد تجمعات للنازحين عند نقاط تفتيش على الطرق المؤدية إلى مناطق أكثر أماناً.
كما وثقت تقارير تدمير عشرات القرى الزراعية في محيط المدينة، في مناطق ذات غالبية من قبيلة الزغاوة، ما اعتُبر مؤشراً على استخدام التجويع كأداة حرب، عبر تدمير مصادر الغذاء والبنية الزراعية.
اتهامات بانتهاكات جسيمة ومخاطر إنسانية واسعة
تشير تقديرات إنسانية إلى أن نحو 28.9 مليون شخص في السودان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، وما تبعها من نزوح واسع وانهيار للخدمات الأساسية.
كما أشارت بعثات أممية وتقارير حقوقية إلى أن الانتهاكات المرتكبة في بعض المناطق قد ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، في ظل اتساع نطاق العنف وصعوبة التحقق الميداني المباشر.
انهيار التغطية الصحفية وصعود الاستخبارات المفتوحة
أدى انقطاع الاتصالات واعتقال وغياب عدد من الصحفيين إلى جعل التغطية الميدانية شبه مستحيلة، ما دفع وسائل الإعلام والمؤسسات البحثية إلى الاعتماد بشكل متزايد على صور الأقمار الصناعية والتحليل الرقمي.
وأصبحت هذه الأدوات بديلاً عملياً للصحافة الميدانية، إذ تمكنت من الوصول إلى مناطق مغلقة وخطرة، وتوثيق أحداث كان من المستحيل رصدها بشكل مباشر، لتتحول الفاشر من “حرب منسية” إلى ملف موثق بالأدلة البصرية أمام الرأي العام الدولي.





