ثقافة

معهد العالم العربي في باريس يطلق المجلد الثاني من كتالوج لترجمة الفكر العربي إلى الفرنسية

أعلن معهد العالم العربي في باريس إصدار المجلد الثاني من كتالوج «إنسانيات عربية في الترجمة»، الذي يضم 53 عنوانًا من أبرز الإصدارات العربية الحديثة في مجالي العلوم الإنسانية والاجتماعية، بهدف تشجيع المترجمين والناشرين الناطقين بالفرنسية على نقل هذه الأعمال إلى اللغة الفرنسية وتعزيز حضور الفكر العربي في الأوساط الأكاديمية والثقافية الأوروبية.

ويمثل الإصدار الجديد امتدادًا لمبادرة بحثية وثقافية انطلقت عام 2024 بالشراكة بين وزارة الخارجية الفرنسية، والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والمعهد الفرنسي في تونس، وعدد من المؤسسات البحثية الفرنسية العاملة في العالم العربي، بإشراف فريق من الباحثين المتخصصين في الدراسات العربية.

53 كتابًا تمثل أحدث الإنتاج الفكري العربي

يضم الكتالوج مجموعة متنوعة من المؤلفات التي تعالج قضايا السياسة والمجتمع والثقافة والفكر، من بينها كتاب «الحروب الأهلية العربية نظامًا سياسيًا» للمفكر وضاح شرارة، وكتاب «العنصرية في الخليج: إشكالية السواد» للباحثة نورة محمد فرج، بالإضافة إلى «الكيانات الوظيفية» لهشام البستاني، و**«بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية»** لفيصل دراج.

كما شملت القائمة أعمالًا بحثية تتناول التحولات الاجتماعية والعمرانية، مثل «في عرض الطريق: دراسات عن الحركة والتنقل في القاهرة»، إلى جانب كتاب «العوسج: أوضاع قطر وأحوال أهلها 1953-1974» للمفكر علي خليفة الكواري.

ويأتي هذا الإصدار بعد نجاح النسخة الأولى من الكتالوج، التي صدرت عقب مشروع بحثي استمر نحو عامين، واعتمدت فيه لجنة علمية عربية فرنسية معايير دقيقة لاختيار أبرز الأعمال الفكرية العربية الجديرة بالترجمة.

حضور محدود للفكر العربي في سوق الترجمة الفرنسية

ينطلق المشروع من قناعة بأن الإنتاج العربي في العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يزال يعاني ضعفًا واضحًا في حركة الترجمة إلى الفرنسية، مقارنة بالحضور الكبير للرواية والأدب.

وأوضح الباحث الفرنسي فرانك ميرمييه أن عدد الكتب المترجمة إلى الفرنسية خلال عام 2020 تجاوز عشرة آلاف عنوان، بينما لم تتجاوز حصة المؤلفات العربية 60 كتابًا فقط، أي ما يعادل نحو 0.6% من إجمالي حركة الترجمة، وهو ما يعكس محدودية وصول الفكر العربي إلى القارئ الفرنسي.

وأشار إلى أن المشروع يسعى إلى سد هذه الفجوة من خلال تعريف الناشرين والجامعات الفرنسية بأبرز الدراسات العربية المعاصرة، وإبراز الإنتاج الفكري الذي يقدم قراءات جديدة للتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في المنطقة.

معايير علمية لاختيار المؤلفات

أكد القائمون على المشروع أن اختيار الكتب لم يكن عشوائيًا، بل استند إلى معايير أكاديمية تضمن تنوع المدارس الفكرية، وتمثيل مختلف الدول العربية، مع التركيز على الأعمال التي تقدم إضافات نوعية في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

كما يهدف المشروع إلى الاستمرار على المدى الطويل عبر توسيع شبكة الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الثقافية ودور النشر، بما يضمن تحديث الكتالوج بصورة دورية وإدراج أحدث المؤلفات العربية.

تحديات تواجه انتشار الكتاب العربي

يرى الباحثون أن ضعف حضور الفكر العربي في أوروبا لا يرتبط بجودة الإنتاج العلمي، وإنما يعود إلى مشكلات هيكلية تتعلق بالنشر والتوزيع والتعريف بالإصدارات الجديدة.

وأوضح ميرمييه أن كثيرًا من أبرز الكتب النقدية العربية تصدر عن دور نشر صغيرة أو متوسطة، تعاني محدودية الموارد وضعف المشاركة في معارض الكتب الدولية، إلى جانب غياب منصات متخصصة تجمع الإصدارات العربية الحديثة وتيسر وصولها إلى الجامعات والمراكز البحثية الأجنبية.

وأشار إلى أن إعداد الكتالوج تطلب متابعة مستمرة لمئات المواقع الإلكترونية وصفحات دور النشر العربية، إضافة إلى حضور معارض الكتب في عدد من العواصم العربية لرصد أحدث الإصدارات.

نتائج أولية مشجعة

بدأ المشروع يحقق نتائج عملية منذ صدور نسخته الأولى، إذ شرعت ثلاث دور نشر فرنسية في ترجمة سبعة كتب وردت ضمن الكتالوج الأول.

وجاءت خمس من هذه الترجمات ضمن سلسلة «أفكار عربية معاصرة» التي أطلقها معهد العالم العربي بالتعاون مع إحدى دور النشر الفرنسية، بهدف تقديم أبرز الدراسات الفكرية العربية إلى القارئ الفرنسي.

ومن بين الكتب التي صدرت بالفعل باللغة الفرنسية كتاب «المبتسرون» للكاتبة الراحلة أروى صالح، وكتاب «المدينة العربية والحداثة» للمؤرخ والمفكر خالد زيادة، فيما يُنتظر ترجمة عناوين جديدة من المجلد الثاني خلال الفترة المقبلة.

مشروع أوروبي لترجمة العلوم الإنسانية العربية

يسعى القائمون على المبادرة إلى تطوير المشروع ليصبح منصة أوروبية متخصصة في ترجمة الفكر العربي، مع الاهتمام بدراسة تطور المفاهيم والمصطلحات بين العربية واللغات الأوروبية، بما يسهم في بناء جسور معرفية أكثر عمقًا بين الثقافات.

ويرى الباحثون أن تعزيز التعدد اللغوي في البحث العلمي يمثل ضرورة للحفاظ على التنوع الفكري، خاصة في ظل هيمنة لغة واحدة على جزء كبير من الإنتاج الأكاديمي العالمي، مؤكدين أن توسيع حركة الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية سيساعد على إيصال رؤى جديدة حول قضايا المنطقة، وإثراء الحوار العلمي والثقافي على المستوى الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى