ثقافة

رحيل مازن المبارك.. شيخ النحاة الذي كرّس أكثر من 7 عقود لخدمة العربية

نعى مجمع اللغة العربية بدمشق الدكتور مازن المبارك، عضو المجمع وأحد أبرز علماء اللغة والنحو في سوريا، مشيدا بمسيرته العلمية والأكاديمية الطويلة وإسهاماته في تعليم اللغة العربية وخدمة علومها.

وأكد المجمع أن رحيله يمثل خسارة كبيرة للأوساط العلمية والثقافية في سوريا والعالم العربي، بعدما ترك وراءه إرثا واسعا من المؤلفات والدراسات والتحقيقات العلمية التي جعلته واحدا من الأسماء البارزة في مجال الدراسات اللغوية.

وتوفي المبارك السبت الماضي عن عمر ناهز 96 عاما، بعد مسيرة علمية وأدبية امتدت لأكثر من سبعة عقود، عُرف خلالها بلقب “شيخ النحاة”، وظل حاضرا في مجالس العلم وقاعات الجامعات والندوات المتخصصة.

كما نعت وزارة الثقافة السورية الراحل، مستذكرة جهوده الطويلة في خدمة اللغة العربية وإثراء الحياة الفكرية والثقافية، في حين شاركت جامعة دمشق ومجمع اللغة العربية وجامعة بلاد الشام التابعة لوزارة الأوقاف وعدد من الهيئات العلمية واللغوية في العالمين العربي والإسلامي في تأبينه، واصفة إياه بـ”شيخ العربية” و”العالم الجليل”.

نشأة في بيت من العلم واللغة

ولد مازن عبد القادر محمد المبارك عام 1930 في حي العمارة بمدينة دمشق، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والدين والاهتمام باللغة العربية.

وكان والده العلامة اللغوي عبد القادر المبارك أول من أسهم في تكوينه العلمي، قبل أن يتولى رعايته شقيقه المفكر والوزير محمد المبارك عقب وفاة والده.

وتلقى الراحل مراحل تعليمه الأولى والجامعية في دمشق، ثم التحق بقسم اللغة العربية في جامعة دمشق، حيث حصل على الإجازة في الآداب، إلى جانب دبلوم في التربية وأهلية التعليم الثانوي من المعهد العالي للمعلمين، التابع لكلية التربية في الجامعة، عام 1952.

وكان المبارك الأول بين خريجي كليتي الآداب والتربية، في مؤشر مبكر على تميزه العلمي الذي رافقه طوال مسيرته الأكاديمية.

تلاميذ كبار العلماء

أتاحت له سنوات الدراسة والبحث العلمي الاحتكاك بعدد من أبرز علماء اللغة والفقه والأدب في عصره، ومن بينهم الدكتور اللغوي سعيد الأفغاني، والفقيه مصطفى الزرقا، والأديب محمد بهجة البيطار، والمحقق أمجد الطرابلسي، والشاعر واللغوي شفيق جبري.

وأسهم هذا التكوين المتنوع في بناء شخصيته العلمية، إذ جمع بين الدراسة الأكاديمية المتخصصة والنهل من علوم التراث العربي والإسلامي على أيدي مجموعة من كبار العلماء والمفكرين.

وبعد تخرجه، بدأ تدريس اللغة العربية في ثانويات دمشق ودار المعلمين، واستمر في هذه المهمة حتى نهاية عام 1954، قبل أن ينتقل إلى مرحلة جديدة من مسيرته العلمية خارج سوريا.

القاهرة وبداية التخصص الأكاديمي

أوفد مازن المبارك إلى جامعة القاهرة، حيث واصل دراساته العليا في مجال اللغة العربية والنحو.

وحصل عام 1957 على درجة الماجستير بعد تحقيقه رسالة “الإيضاح في علل النحو” لأبي القاسم الزجاجي، المتوفى سنة 337 للهجرة، وهي دراسة تعكس اهتمامه المبكر بتحقيق التراث النحوي وإعادة تقديمه وفق منهج علمي دقيق.

ولم يتوقف مشروعه الأكاديمي عند الماجستير، إذ حصل عام 1960 على درجة الدكتوراه عن أطروحته “الرُّمَّاني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه”، مواصلا بذلك اشتغاله على أعلام النحو العربي ومصادره الأساسية.

وبعد عودته إلى دمشق، التحق بقسم اللغة العربية في جامعة دمشق مدرسا، ثم تدرج في الرتب الأكاديمية، فأصبح أستاذا مساعدا عام 1965، قبل أن يصل عام 1971 إلى رتبة أستاذ في علوم اللغة العربية.

مسيرة أكاديمية امتدت إلى جامعات عربية

لم تقتصر تجربة المبارك الأكاديمية على جامعة دمشق، بل عمل في عدد من الجامعات العربية، وتولى كذلك مجموعة من المسؤوليات الأكاديمية والإدارية.

كما شارك في العمل المؤسسي المتعلق باللغة العربية من خلال عضويته في مجمع اللغة العربية بدمشق، إلى جانب مشاركته في هيئات ومؤسسات لغوية عربية أخرى.

وقد مكّنه هذا الحضور الأكاديمي والمؤسسي من الجمع بين البحث العلمي والتعليم والمشاركة في قضايا اللغة العربية، ليصبح مع مرور السنوات أحد الأصوات العلمية المعروفة في مجال النحو والدراسات اللغوية.

مؤلفات وتحقيقات جعلته مرجعا في النحو

ترك مازن المبارك إنتاجا علميا متنوعا شمل الكتب والدراسات والأبحاث والمقالات، إلى جانب تحقيق عدد من كتب التراث العربي.

وكان النحو والبلاغة وعلوم اللغة من أبرز المجالات التي انشغل بها، كما اهتم بإحياء التراث اللغوي وتقديمه للأجيال الجديدة، مستفيدا من تكوينه الأكاديمي ومن خبرته الطويلة في التدريس والبحث.

ولم يكن اهتمامه باللغة العربية محصورا في الجانب النظري، بل ارتبط كذلك بمهمة تعليمها وتبسيط علومها، وهو ما جعله قريبا من الطلاب والباحثين، وأكسبه مكانة خاصة لدى أجيال من الدارسين.

أستاذ الأجيال

وصف أكاديميون وطلاب سابقون المبارك بأنه نموذج للعالم المربي، إذ جمع بين التخصص العلمي العميق والقدرة على إيصال المعلومة بأسلوب واضح، إلى جانب ما عُرف عنه من قربه من طلابه واهتمامه بتكوينهم العلمي.

ولم تكن مكانته مستمدة من كثرة مؤلفاته وأبحاثه فحسب، بل من حضوره التعليمي الذي امتد لعقود، ومن دوره في تخريج أجيال من المتخصصين في اللغة العربية.

وقد أسهم أسلوبه في الجمع بين الدقة العلمية وحسن البيان في ترسيخ صورته باعتباره واحدا من أساتذة العربية الذين تجاوز تأثيرهم حدود الكتب والأبحاث إلى قاعات الدراسة والندوات والمؤسسات العلمية.

تكريمات وجوائز في خدمة العربية

حظي مازن المبارك خلال مسيرته الطويلة بعدد كبير من الجوائز والتكريمات تقديرا لإسهاماته في خدمة اللغة العربية والبحث العلمي.

وكان من أبرز التكريمات التي حصل عليها في السنوات الأخيرة جائزة “نشر الوعي اللغوي وإبداع المبادرات المجتمعية اللغوية” في فئة الأفراد، التي منحه إياها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية عام 2025.

وجاء هذا التكريم تتويجا لمسيرة طويلة كرّس خلالها الراحل جهده للتعريف بالعربية، وتعليم علومها، والمساهمة في الحفاظ على تراثها اللغوي وإتاحته للأجيال.

إرث يتجاوز الكتب

برحيل الدكتور مازن المبارك، تفقد اللغة العربية واحدا من أبرز علمائها الذين أمضوا حياتهم في خدمتها وتعليمها والدفاع عن مكانتها.

فقد جمع الراحل بين البحث والتحقيق والتدريس والعمل المؤسسي، وترك وراءه إرثا علميا لا يقتصر على مؤلفاته ودراساته، بل يمتد إلى أجيال من الطلاب والباحثين الذين تأثروا بمنهجه العلمي وشخصيته التعليمية.

وبوفاته، تخسر الأوساط الثقافية والعلمية في سوريا والعالم العربي أحد الأصوات التي ظلت لعقود حاضرة في ميدان العربية، فيما تبقى أعماله ومؤلفاته شاهدة على مسيرة عالم جعل من اللغة العربية مشروعا علميا وتربويا امتد طوال حياته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى